المعركة الضريبية تهدد السوق الأمريكية بفقدان النخبة الثرية .. هل يتخلص «الكبار» من أسهمهم؟

فى: الأحد - نوفمبر 14, 2021      Print

هشام محمود من لندن

عندما اقترحت الإدارة الأمريكية فرض ضريبة دخل على الفئات الأكثر ثراء، بما يلزم الأشخاص الذين ينتمون إلى تلك الفئة بدفع ضرائب سنوية على أصولهم المالية، تحديدا الأسهم عند ارتفاع قيمتها، فإنها بررت هذا المقترح بأهمية العوائد الضريبية التي سيتم جنيها لتمويل خطة الرئيس الأمريكي بايدن الاقتصادية.
هذه المقترحات تعرضت لهجوم حاد، وانتقادات واسعة من مليارديرات الولايات المتحدة وأنصارهم، خاصة في الحزب الجمهوري، على الرغم من أن الإحصاءات والبيانات الرسمية الأمريكية تشير إلى أنهم لا يدفعون إلا نسبة ضئيلة من الضرائب، كنسبة من دخلهم مقارنة بباقي الفئات الأمريكية.
المعركة الضريبية خفتت حدتها بعض الشيء خلال الأشهر الماضية، لكنها عادت إلى واجهة الأحداث في الأيام الماضية عندما أطلق الملياردير إيلون ماسك - أغنى رجل في العالم - استطلاعا على موقع تويتر، يسأل متابعيه البالغ عددهم 63 مليون شخص، عما إذا كان يجب عليه بيع ما نسبته 10 في المائة من أسهمه في شركة تسلا للسيارات الكهربائية أم لا؟
الاستطلاع شارك فيه 3.5 مليون شخص وجاءت نسبة التصويت لمصلحة البيع بنحو 58 في المائة من المشاركين.
من جانبه أكد ماسك التزامه بنتائج الاستطلاع، وفي الحقيقة فإن السؤال الذي طرحه ماسك شديد الأهمية، فمثله مثل جيف بيزوس مؤسس شركة أمازون عملاق التجارة الإلكترونية، ومارك زوكربيرج مؤسس موقع التواصل الاجتماعي وغيرهم من كبار المليارديرات في الولايات المتحدة، حيث النظام الضريبي لا يفرض ضريبة على ما يملكونه من أسهم أيا كان عددها أو قيمتها.
وغالبا تلك الأسهم هي المصدر الرئيس لثروتهم، فقط هؤلاء المليارديرات ملزمون قانونا بدفع ضريبة إذا ما باعوا ما لديهم من أسهم، وحيث إن الأسهم ترتفع قيمتها بمرور الوقت، إذ اشترى ماسك على سبيل المثال سهم "تسلا" بعشرة سنتات أمريكية، والآن تبلغ قيمة السهم 1222 دولارا أمريكيا ويمتلك من تلك الأسهم 170.49 مليون سهم، فلا يوجد لديه أي مبرر للبيع، إذ إن أرباحها كفيلة بأن يعيش حياة فاخرة، ومن ثم يزداد ماسك وأقرانه ثراء دون أن يدفعوا أي ضريبة، بل حتى الضرائب المفروضة على ما يحققونه من أرباح يتم غالبا التحايل عليها عبر استغلال الثغرات القانونية من هنا تأتي أهمية سؤال إيلون ماسك، فبدون بيع أسهمه لن يدفع ضرائب، وهذا تحديدا ما أرداد رون وايدن السناتور الديمقراطي تغييره من خلال خطة لفرض ضرائب سنوية على الأصول غير المبيعة مثل الأسهم، باختصار سيدفع هؤلاء المليارديرات وفقا لهذا الاقتراح ضريبة على امتلاكهم الأسهم سواء باعوها أم احتفظوا بها.
أهمية خطوة ماسك تأتي أيضا لترافقها مع تضخم قيمة أسهم شركة تسلا، إذ تجاوزت قيمتها السوقية تريليون دولار أخيرا، ويمتلك ماسك 20 في المائة من أسهمها، ما يعنى أن نسبة 10 في المائة التي يرمي إلى بيعها ستبلغ 17.048 مليون سهم، ومع بلوغ سعر السهم 1222 دولارا فان ماسك سيجني من الأسهم التي سيبيعها نحو 21 مليار دولار، يحق عليها ضرائب بما قيمته خمسة مليارات دولار فقط لا غير.
ولفهم ما يحدث، وإذا ما كان تخلص ماسك من بعض أسهمه في "تسلا" سلوكا فرديا لملياردير يحلو للبعض أن يصفه بـ"غريب الأطوار"، أم أنه اتجاه عام من قبل الأثرياء في الولايات المتحدة بالرغبة في تقليص حصة الأسهم في محافظهم الاستثمارية، تفاديا لدفع الضرائب المقترحة إذا ما طبقت يوما ما.
لفهم ذلك كله يجب أن نعرف أن إيلون ماسك على سبيل المثال اشترى سهم شركة تسلا بـ49 سنتا عند استثماره الأولي في الشركة، ومنذ ذلك الحين تم تقسيم الأسهم خمسة مقابل واحد، لذا فإن أساس التكلفة في هذا الاستثمار كان فعليا أقل بقليل من عشرة سنتات للسهم، وهذا ينطبق أيضا على عديد من نظرائه أمثال جيف بيزوس ومارك زوكربيرج وغيرهم.
خطوة إيلون ماسك ببيع 10 في المائة من أسهمه في "تسلا" ربما في جزء منها تكشف استعدادا أو على الأقل اتجاها للتفكير بين المليارديرات في الولايات المتحدة لكيفية تجنب الاقتراح الضريبي للسيناتور الأمريكي رون وايدن الذي أسرع بالرد على خطوة أغنى رجل في العالم، عبر تغريدة على "تويتر" قائلا "أتطلع إلى اليوم الذي لا يعتمد فيه قيام أغنى شخص في العالم بدفع الضرائب على تصويت في "تويتر"، وأشار السناتور إلى أن هناك قانونين للضرائب في الولايات المتحدة، الأول إلزامي للعمال الذين يدفعون ضرائب على كل راتب يحصلون عليه، والثاني طوعي للمليارديرات الذين يؤجلون دفع الضرائب إلى أعوام وأحيانا إلى أجل غير مسمى.
تلك المعركة تأتي بعد أن كشف عديد من التقارير الحكومية والإعلامية أن المليارديرات في الولايات المتحدة ويقدر عددهم بنحو 700 ملياردير لا يدفعون ضريبة الدخل الفيدرالية، معتمدين على جيش جرار من المحامين والمحاسبين الماليين الذين يحولون دون غيرهم بدفع ما عليهم من ضرائب.
وانعكس هذا الصراع على قيمة سهم شركة تسلا، إذ انخفض سعر السهم 9 في المائة بعد الاقتراع، لكن هذا الانخفاض لن يؤثر كثيرا في قرار إيلون ماسك الذي تعهد بالالتزام بنتائج استطلاع، وذلك على الرغم من أنه من غير المحتمل أن يبيع ماسك كل تلك الملايين من أسهم "تسلا" في يوم واحد، إذ إن هذا التدفق من الأسهم في السوق يمكن أن يؤدي إلى انخفاض حاد في سعر السهم، والسيناريو الأكثر احتمالا هو مبيعات صغيرة على فترات زمنية طويلة.
لكن لماذا يريد إيلون ماسك بيع أسهمه في "تسلا"؟
الخبير الضريبي البريطاني ال. ك. ارثر يعلق لـ"الاقتصادية" قائلا "بغض النظر عن نتائج التصويت على تغريدة إيلون ماسك فإنه كان عليه بيع ملايين الأسهم هذا الربع، بسبب فاتورة ضريبية واجبة السداد تلوح في الأفق بأكثر من 15 مليار دولار".
ويضيف "السبب الآخر أن ماسك لكي يمارس ما يعرف بخيارات الأسهم، حيث يسمح له بشراء أسهم في شركة تسلا بسعر خصم كبير، عليه أن يدفع ضريبة الدخل على المكسب، ولهذا باع جزءا من الأسهم ليستطيع ممارسة خيارات الأسهم".
وفي الواقع فإن بيع ماسك جزءا من أسهمه في "تسلا" والمقترحات الخاصة بفرض مزيد من الضرائب على المليارديرات، يفتح ملفا شائكا في الولايات المتحدة يتعلق بتركز الثروة، إذا إن أغنى 400 أمريكي كان يمتلكون نحو 9 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في 2010 وقد تضاعف هذا المعدل الآن ليصل إلى 18 في المائة في أعوام لاحقة.
وترى الدكتورة ماري بلاك سميث أستاذة النظم الضريبية في مدرسة لندن للتجارة أن سلوك إيلون ماسك يعكس اتجاها يراود تفكير كثير من كبار الأثرياء في الولايات المتحدة، عبر التخلص من جزء من أسهمهم لدفع ضرائب أقل، لكن هذا من وجهة نظرها قد يترك تأثيرا سلبيا في الاقتصاد الأمريكي.
وتعلق لـ"الاقتصادية" قائلة "إذ تخلص قطاع كبير من المليارديرات في الولايات المتحدة، من حصصهم من الأسهم في الشركات المختلفة، فربما يفقد ذلك الشركات جاذبيتها المعتادة في جذب المستثمرين، فحصة المليارديرات في بعض الشركات تمثل في حد ذاتها عنصر جذب لرؤوس أموال رجال الأعمال الأقل ثراء، من منطلق قناعتهم بأن استثمار المليارديرات أموالهم في تلك الشركات يمثل في حد ذاته ضمانا بأنها ستواصل النجاح وتحقيق الأرباح".
من هذا المنطلق تحديدا يعارض البعض المقترحات الضريبية للسيناتور الأمريكي رون ايدن، إذ ربما تتيح تلك المقترحات للهيئات الضريبية في الولايات المتحدة زيادة حصيلتها الضريبية، لكنها في الوقت ذاته توجه ضربات قوية للشركات الأمريكية الرائدة، كما يرجح أن تكون لها انعكاسات سلبية على النظام الاقتصادي كله، إذ ستقلص الجاذبية الاستثمارية لتلك الشركات التي غالبا ما يستثمر فيها كبار المليارديرات.
من جانب آخر، يرى بعض من خصوم هذا النوع من المقترحات الضريبية، أن تطبيقها يضعف من الرغبة الاستثمارية للفئات الأكثر ثراء في الولايات المتحدة الأمريكية، وهؤلاء يمثلون رأس حربة العملية الاستثمارية بفضل ثرواتهم الضخمة، ويسهمون في توجيه النشاط الاستثماري، ويعززون أفقه، ما ينعش سوق الأسهم والصناعات في الولايات المتحدة.
ويقول ار. في ناسن الباحث الاقتصادي "إن تراجع الرغبة الاستثمارية للنخبة الثرية في الولايات المتحدة، سيثبط الجهد والابتكار الذي تقوده شركات التكنولوجيا الرائدة التي يستثمر فيها المليارديرات أموالهم، وقد تدفع زيادة الضرائب إلى خروج كبار المستثمرين من الأسواق الاستثمارية المحلية سواء عبر بيع ما لديهم من أصول، تحديدا الأسهم، أو التوقف عن الاستثمار في الأسواق المحلية بل ربما في بعض الحالات سيلجأون إلى البحث عن أفق استثماري في دول أخرى من العالم".
مؤيدو زيادة الضرائب على الأثرياء، يقفون على الضفة الأخرى، مذكرين بأن السياسة الضريبية في الولايات المتحدة لم تواكب التغييرات في هيكل وحجم الاقتصاد الأمريكي والطبيعة المتغيرة للثروة فيه. فكبار المليارديرات يهيئون أوضاعهم المالية بحيث يكون لديهم دخل ضئيل خاضع للضريبة، إذ عادة لا يتلقون رواتب أو رواتب منخفضة مقارنة بمديري الشركات الأخرى، وبالفعل فقد أشار إيلون ماسك في تغريدة له إلى ذلك، حيث قال "أنا لا أحصل على راتب أو مكافأة نقدية من أي مكان، لدي احتياطي فقط، وبالتالي فإن الطريقة الوحيدة بالنسبة إلي شخصيا لدفع الضرائب هي بيع الأسهم".
ويرى أنصار تلك المقترحات الضريبية أن إيجابيتها تفوق سلبيتها، كما يتشككون في مخاوف خروج المستثمرين من الأسواق أو التخلص من جزء كبير من أسهمهم في البورصات الأمريكية.
الدكتور مارك كريس أستاذ النظم الاستثمارية يعلق لـ"لاقتصادية"، قائلا "يروج البعض إلى أنه من الظلم والإجحاف إجبار أشخاص مثل إيلون ماسك وجيف بيزوس صاحب "أمازون" على دفع ضريبة على الفور تعادل ما يقرب من 40 في المائة من ثرواتهم، كما يروج البعض أيضا إلى أن ذلك سيكون له انعكاسات سلبية على المنظومة الاقتصادية وسيؤدي إلى خروج المستثمرين من الأسواق، لكن هذا مستبعد حدوثه تماما".
ويستدرك قائلا "المدفوعات الضريبية ستمتد عبر عقد من الزمان، وستصل إلى 4 في المائة من ثرواتهم الحالية سنويا، ويمكنهم الاقتراض لتسوية تلك الالتزامات الضريبية كما يفعلون لتمويل نفقات أخرى، أو بيع 4 في المائة من حصصهم كل عام، وبالنسبة إلى شخص مثل جيف بيزوس الذي يمتلك 10 في المائة من شركة أمازون، فإن ذلك يعني 0.4 في المائة من أسهم الشركة ستتغير ملكيته وستتحول من ملكيته لها لمصلحة أشخاص آخرين نتيجة بيعها سنويا، وذلك على مدار عام، وهذا لا يؤثر في سعر السهم، ولا يوجد أي توترات اقتصادية في الأسواق".
لكن إلى أي مدى يمكن أن يؤدي إجبار أصحاب الثروات الفاحشة على دفع ما عليهم من ضرائب إلى إضعاف الشركات الرائدة في الولايات المتحدة خاصة شركات التكنولوجيا؟
يرى بعض الخبراء أن ذلك الشعور أو تلك المخاوف في حد ذاتها أمر جيد بالنسبة إلى تلك الشركات، إذ إن المسؤولين عنها سيكونون أكثر وعيا بأن مصالحهم الذاتية مرتبطة باستمرارية الأداء المرتفع، كما أنه لا يوجد دليل على أن الشركات العملاقة سينخفض أداؤها، إذا تنوعت قاعدة الملكية فيها، وتحولت حصة من الأسهم التي يمتلكها أصحاب الثروات الطائلة إلى مصلحة صغار المستثمرين، المؤكد أن المليارديرات وأثرى الأثرياء في الولايات المتحدة استفادت بشكل كبير من البنية التحتية الأمريكية والأبحاث العامة والجامعات والاستثمارات الأمريكية في مجال التقنيات مثل الإنترنت، وكل ذلك يساعد تلك الشركات على أن تكون أعمالها ناجحة للغاية، والمؤكد أن اقتصاد المستقبل سيكون أكثر ازدهارا بفضل بنية تحتية أفضل واستثمارات أكثر كثافة في التقنيات المستقبلية، وليس ضرائب أقل على الأثرياء.
باع إيلون ماسك الرئيس التنفيذي لمجموعة تسلا أسهما تتجاوز قيمتها 6.9 مليار دولار خلال أسبوع واحد حسب وثائق نشرتها البارحة الأولى هيئة تنظيم السوق الأمريكية.
في المجموع، باع ماسك "50 عاما" المولود في جنوب إفريقيا أكثر من 5.1 مليون سهم من شركة تصنيع السيارات الكهربائية، منها نحو 4.2 مليون سهم في صندوق ائتماني.
ووفقا لـ"الفرنسية"، تعد هذه واحدة من أكبر عمليات البيع التي سجلت خلال فترة قصيرة من دون أن تكون بيعا إلزاميا أو في إطار نقل ملكية.
وقد أثرت إلى حد كبير في سعر السهم الواحد الذي خسر 15.4 في المائة من قيمته خلال الأسبوع.
وحتى قبل نشر الهيئة التنظيمية الوثائق الأولى التي تشير إلى المبيعات الأربعاء، تولى إيلون ماسك أمر إبلاغ الأسواق بنواياه.
وأجرى استطلاعا على حسابه على "تويتر" لمعرفة إذا ما كان عليه التخلي عن 10 في المائة، من أسهمه في "تسلا"، ورد 57.9 في المائة من 3.5 مليون شخص بالإيجاب.
وعندما فتحت "وول ستريت" الإثنين كان سعر السهم قد انخفض وتراجعت قيمته منذ ذلك الحين، وبالتالي، باع ماسك الأسهم بسعر أقل بكثير مما لو فعل قبل تغريدته.
وبذلك خسر ماسك ملايين الدولارات من الأرباح غير المحققة. وكشفت وثائق أن رجل الأعمال بدأ بيع بعض هذه الأسهم على الأقل من 14 أيلول (سبتمبر)، أي أنه لم يتأثر بالاستطلاع.
وفي نهاية العملية ما زال إيلون ماسك يحتفظ، حسب الوثيقة، بـ1.22 مليون سهم من "تسلا"، إضافة إلى 166.2 مليون أخرى في صندوق ائتماني بقيمة إجمالية قدرها 173 مليار دولار بسعر الإغلاق الجمعة. ويفترض أن يحسم من 5.9 مليار من المبالغ التي نجمت عن البيع 1.4 مليار دولار من الضرائب على الأرباح.

الاقتصادية السعودية





أخبار ذات صلة

تصفح مجلة الغرفة إلكترونيا

تغريدات


الإعلانات



مكتب الرميلة لتخليص المعاملات