فى: الثلاثاء - أكتوبر 20, 2020 Print
خالد جان سيز - تحولات كبيرة يشهدها العالم، أحدثها جائحة كورونا، التي أفرزت الإغلاقات، عازلة الدول بعضها عن بعض، وموصدة الحدود بوجه المهاجرين، وموجهة ضربة للاقتصاد العالمي. وسبق تلك الجائحة ظهور فجوات هائلة داخل المجتمعات الغربية، في ظل بزوغ مجموعة من النخب لا تهتم سوى بمصالحها الضيقة على حساب قطاعات واسعة من المجتمع، فضلاً عن ظاهرة الشعبوية واليمين والتخبط داخل أروقة الاتحاد الأوروبي. وبالتزامن، صعدت قوى دولية غير ليبرالية، مثل الصين وروسيا، وانسحبت أميركا قائدة العالم من اتفاقيات ومنظمات، واتبعت سياسة الحمائية، مما جعل مراقبين يعتبرون أن كل تلك المعطيات تشير إلى نهاية النظام الدولي الليبرالي، الذي قادته الولايات المتحدة كقطب أوحد، وبداية تشكّل نظام عالمي جديد ثنائي أو متعدد الأقطاب. النظام الدولي الليبرالي الذي فرضته أميركا لسنوات، كان عبارة عن مجموعة منظمة من المؤسسات الدولية، تساعد في السيطرة على التفاعلات بين الدول الأعضاء، وكان هذا النظام تحت هيمنة الولايات المتحدة كدولة ليبرالية ديموقراطية لديها ثلاثة أهداف: 1 – نشر الديموقراطية حول العالم. 2 – جعل الاقتصاد العالمي مفتوحاً (كل دولة مرتبطة بالرأسمالية). 3 – ضم الدول في مؤسسات كثيرة مثل منظمة التجارة العالمية، وضمنها روسيا والصين، لإكسابهما المنافع، وبالتالي تركيزهما على نشر الديموقراطية. والولايات المتحدة فعلت ذلك خلال فترة الحرب الباردة. متى نشأ؟ نشأ ذلك النظام عام 1989، عندما خسر الاتحاد السوفيتي الحرب الباردة وتفكك، وباتت أميركا القطب الأوحد، وبدأت تكرس صورتها في العالم، عبر نشر النظام الدولي الليبرالي في كل دولة، مستخدمة ثلاث وسائل: 1 – «ناتو» والاتحاد الأوروبي والثورات الملونة. 2 – «عقيدة بوش»، الخاصة بالتعامل مع الإرهاب، ومواجهة انتشار الأسلحة النووية في الشرق الأوسط، من خلال تحويل كل دولة في المنطقة إلى الليبرالية الديموقراطية. 3 – الشراكة مع الصين، عبر جعلها ترتبط بالنظام الرأسمالي وتندمج بالمؤسسات الغربية وجعلها غنية وتفكر بنشر الديموقراطية. الصعود والانهيار النظام الدولي الليبرالي ممثلاً بأميركا عاش أيامه الذهبية من 1990 وحتى 2017 وحينها لم تهتم الولايات المتحدة بتوازن القوى، لأنها كانت القوة الوحيدة، ولا منافس لها. لكن الأمور جرت عكس ما يراد لها في عامي 2004 و2005 فالعراق الذي كان المحطة الأولى في التغيير أصبح كارثة، وكذلك أفغانستان، وتوقعت أميركا دخول الحرب في سوريا وإيران وتحويل المنطقة بأكملها الى بحر من الديموقراطية، لكن ذلك لم ينجح، وكاد الاقتصاد الدولي أن ينهار بالكامل عام 2008 وبعدها وقعت أزمة الديون الأوروبية، إضافة إلى نهوض الصين وصعود القوة الروسية بقيادة فلاديمير بوتين. الحروب والانشغال البروفيسور جون ميرشايمر أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو تطرق، خلال ندوة، إلى الحديث عن أسباب انهيار النظام الدولي الليبرالي، وطبيعة النظام الدولي الجديد. وعن بداية المشكلة بين أميركا والصين، قال البروفيسور: «عندما ارتفعت المؤشرات الصينية عام 2000 أصبح الأمر مهدداً لأميركا، لكنها كانت مشغولة بحروبها في الشرق الأوسط، ثم بثورات الربيع العربي، ولم تعط شرق آسيا الاهتمام الكافي». ويلفت البروفيسور إلى أن الرئيس السابق جورج بوش نبه عام 2000 إلى ضرورة التركيز على الصين، لكنه انشغل عن ذلك بتحديات عدة، منها هجمات 11 سبتمبر 2001 التي كانت بداية للحروب في الشرق الأوسط، ثم ثورات الربيع العربي، ما جعل أميركا منشغلة عن التركيز على شرق آسيا. وحول الصين، يوضح ميرشايمر أنها كانت تركز على شرق آسيا، لكنها أرادت أن تصبح قوة عظمى، وهي الآن تستورد %25 من نفط الخليج، وشرعت في بناء بحريتها، سعياً للهيمنة على المحيط الهندي، ما أثار قلق الهند. دور ترامب؟ يعتبر ميرشايمر أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لم يكن مسؤولاً عن تلك الفوضى التي أفضت إلى انهيار النظام الدولي الليبرالي، لكنه يضيف: «من الضروري معرفة أن ترامب تم انتخابه لأنه كان ضد النظام الدولي الليبرالي، كما أنه اتبع سياسة الحمائية، وهي ضد الاقتصاد الدولي المفتوح.. قادة الاتحاد الأوروبي اعتبروه أكبرتهديد للاتحاد.. ترامب يكره منظمة التجارة العالمية، ولا توجد هيئة دولية تعجبه ولا حتى نافتا، وانسحب من الشراكة عبر المحيط الهادئ، هو ليس السبب بانهيار النظام الدولي الليبرالي، لكنه جزء من السبب». النظام الجديد يرى ميرشايمر أن العالم الذي كانت فيه الولايات المتحدة القطب الأوحد انتقل إلى حالة متعددة الأقطاب، عادت فيها سياسة توازن القوى على طاولة القوى العظمى، لأن الصين وروسيا أصبحتا قوتين عظميين. ويصف البروفيسور الوضع في العالم حالياً بأنه مشابه لفترة الحرب الباردة، لكنه مختلف في نواح عدة، مردفاً: «سيكون لدينا نظام مترابط تقوده الصين، وآخر تقوده الولايات المتحدة، وكلا النظامين سيركزان على آسيا، وسيعملان مع روسيا على المستوى الدولي، لإنشاء آلية تشمل قضايا عدة، وسيكون النظام الجديد واقعيا وبسيطا، لكن القوى البارزة فيه ستكون الصين وأميركا». ويشير أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو إلى أن القوتين الأكثر بروزاً في النظام العالمي الجديد ستكونان الصين وأميركا، موضحاً أن أميركا قوة عظمى دولية ولديها مصالح في جميع أنحاء العالم، وستحاول احتواء الصين، ولو لزم الأمر فستحاربها في كل شبر في العالم، لمنعها من أن تصبح قوة عظمى، كما فعلت مع الاتحاد السوفيتي سابقاً. ولفت إلى أن الهند ستكون مع أميركا، لخلافها الحدودي مع الصين، وسعي بكين للسيطرة على المحيط الهندي، لكن ميانمار وباكستان موقفهما غير معروف، فأميركا ستحاول جر ميانمار، وربما تقف باكستان مع الصين، مبيناً أن أميركا ارتكبت خطأ كبيراً عبر دفعها روسيا لأحضان الصين، وعليها تقوية علاقاتها مع موسكو. واعتبر البروفيسور أن القومية الوطنية ستكون أقوى أسلحة النظام العالمي الجديد، مبيناً أن الدول ستعطي الحدود اهتماماً كبيراً، لافتاً إلى ما يشهده العالم من خلافات بشأن الهجرة، التي دفعت بريطانيا إلى «بريكست»، وأشار إلى أن النظام الليبرالي كان قائماً على الانفتاح والحدود المفتوحة، لكن العالم الآن منغلق على نفسه والحدود موصدة والاقتصاد كذلك، مع علو شأن القومية الوطنية.
القبس
Last Updated 1 days ago
© جميع الحقوق محفوظة 2017 - 2024