كيف تُقاس "صحة الاقتصاد" للدول؟

فى: السبت - يوليو 13, 2019      Print

في الجسد البشري أعضاء حيوية كالقلب والرئة، وأخرى مهمة للغاية كالكبد والكلية، وأخرى أقل أهمية مثل الأطراف، وأخيرًا ما يشبه الأظافر في محدودية الأهمية، غير أن حالة كل تلك الأعضاء تستخدم لتشخيص وضعية الجسد وما إذا كان يتمتع بصحة جيدة أم عرضة لوعكة عابرة أم مرض عضال.

وكذلك الاقتصاد، لديه العديد من "المؤشرات الحيوية" وقياسات كفاءة الأعضاء التي تحدد مدى تمتع هذا الاقتصاد بالصحة من عدمها.

المؤشر الأهم

ودائمًا ما ينظر لمعدل نمو الناتج المحلي بوصفه أحد المؤشرات الحيوية للاقتصاد، ولعل هذا هو ما دفع الحكومة الهندية في بداية الشهر الحالي (يوليو) للتصريح بأنه سيكون بوسعها تحقيق معدل النمو "الصحي" والذي تقدره بنسبة 7%.

ولكي يتم تحديد "صحية" هذا المعدل يجب تقديره قياسًا إلى نسبة زيادة السكان، وإلى نسبة التضخم كذلك، لكي يتضح ما إذا كان تأثير معدل النمو الرقمي إيجابيًا أم غير ذلك.

وعلى سبيل المثال يبلغ معدل النمو السكاني في الهند 1.1% بينما يبلغ معدل التضخم 2.1% بما يجعل معدل النمو بنسبة 7% رائعا للغاية، لأنه سيعني زيادة الناتج الحقيقي بنسبة مرضية (حوالي 4.5% تقريبا) وهو معدل يعكس قدرة الاقتصاد على النمو بسرعات كبيرة (تعاني الهند من سوء في توزيع الوفورات الجديدة لكن تبقى نسبة النمو الحقيقية مرضية وعلامة جيدة).

وتشير دراسة لجامعة "أكسفورد" إلى أن المؤشر الأهم لقياس "صحة" أي اقتصاد هو أداء القطاعات الرئيسية، ولهذا يظل هناك قلق في الولايات المتحدة بشأن أداء القطاع الصناعي وتأثيره على الاقتصاد الأمريكي ككل مستقبلًا.

القطاعات الرئيسية

القطاع الصناعي للولايات المتحدة يمد الاقتصاد بـ12% من حجم الناتج المحلي، وشهد في الآونة الأخيرة تراجعًا في التوظيف بنسبة تعدت 3% بعد أن شهد عامًا استثنائيًا في النمو والتوظيف خلال 2018.

وجاءت بعض المؤشرات الصناعية الرئيسية في الولايات المتحدة بأداء هو الأسوأ منذ الأزمة المالية العالمية قبل 10 سنوات، بما يوحي بتردد كبير للمستثمرين في ضخ الأموال في هذا القطاع.

كما يصف مؤشر صناعة النقل الأمريكية حجم أعمال النقل في الولايات المتحدة بأنه "يهوي"، بسبب تراجعه خلال الستة أشهر الأولى من العام الحالي بنسبة 14% عما كان عليه في العام الماضي (2018).

وصناعة النقل هنا ليست صناعة ضخمة ومهمة لتغذية بقية الصناعات فحسب، ولكنها تعكس تقلص رغبة الصناعات المختلفة في الحصول على المواد الخام أو المواد الوسيطة، بما يعكس تشاؤمًا "فعليًا" على الأرض من إمكانية استمرار الرواج الأمريكي الحالي.

نسب التشغيل

ولا شك أن نسب التشغيل تعد من بين أهم مؤشرات "صحة الاقتصاد" فالهدف الرئيسي من الرواج الاقتصادي هو الوصول بثماره إلى أكبر عدد ممكن من الناس، ولذلك فإن وصول معدل البطالة في الولايات المتحدة إلى 3.6% وهو الأدنى تاريخيًا بخلاف فترات الحروب جعل الكثير يعتبر الاقتصاد الأمريكي يمر بأزهى فتراته، بعد اعتمادهم لهذا الأمر كمؤشر.

ولذلك وفي المقابل، فإن دولة مثل السنغال قد تحقق معدل نمو يصل إلى 6.8% ولكنها تبقى تمثل "اقتصادًا مريضًا للغاية" بسبب معاناتها من أعلى نسبة بطالة في العالم تصل إلى 30% وهي نسبة لا تتفوق عليها سوى دول تعاني حروبًا أو حصارا اقتصاديا.

فارتفاع نسب البطالة يعكس ارتفاعًا في نسب الإعالة بطبيعة الحال، بما يؤكد معاناة أرباب المنازل من أعباء استثنائية، فدول مثل كوسوفو تعاني من نسب بطالة تصل إلى 31% حيث يقوم كل شخص عامل بكفالة 1.3 شخص خلافًا لمن يكفلهم بشكل طبيعي (مثل الأم أو الأب أو الأبناء والزوجة).

وينعكس مستوى التشغيل على مدى تمتع الاقتصاد بالصحة لأنه يعكس استغلال الدول لمواردها بصورة كاملة أم لا، فاستغلال الموارد الثلاث (البشرية والخام ورأس المال) بأفضل صورة هو الكفيل بتحقيق "الحالة المثلى" للإنتاج.

التوازن

وينعكس تعريف البنك الدولي للاقتصاد الصحي في معاناة الكثير من الاقتصادات المعاصرة من مشاكل، إذ يعرفه بهذا الاقتصاد الذي يحقق النمو المتوازن دون التضحية بحق الأجيال القادمة بالتمتع بفرص مماثلة.

ولذلك فإن جزيرة مثل "ناورو"، وهي أصغر دولة في العالم من حيث المساحة وعدد السكان قد تبدو مثالية بمعدل نمو يصل إلى 16% سنويًا خلال العقد الأخير، لكن الأمر ليس كذلك للعديد من الأسباب:

ويأتي في صدارة تلك الأسباب اعتمادها على استخراج الفوسفات فحسب كمصدر واحد للنمو مما يجعل الجزيرة النائية، والقريبة من سواحل أستراليا معرضة وبشدة للتغيرات في أسعاره، كما أن التعدين "الشره" للفوسفات أدى إلى تحول 80% من مساحة الجزيرة إلى أراض قاحلة مليئة بالحفر غير قابلة للسكن فيها أو حتى لاستخدامها لأي أغراض أخرى بخلاف التعدين.

بل إن معدلات الفقر تصل إلى 90% في تلك الجزيرة الصغيرة على الرغم من معدلات نموها المتواصلة وذلك بسبب سوء توزيع الدخل بين السكان، حيث يحصل طبقة التنفيذيين في صناعة الفوسفات على 50% من الدخل ويحصد العمال وبقية أهلها النصف الباقي.

ولعل هذا ما دفع المستشارة الألمانية «أنجيلا ميركل» إلى الافتخار في إحدى خطبها بأنها تركت الاقتصاد "صحيًا" فرغم البيانات المقلقة حول تراجع الناتج الصناعي بنسبة 1% (والقلق يأتي لأن هذا يحدث لأول مرة منذ الأزمة المالية العالمية) إلا أن المؤشرات الإيجابية أكثر بكثير.

وتشمل تلك المؤشرات معدل نمو يفوق معدلات النمو السكاني والتضخم مجتمعين، واقتصادا بين الأكثر توازنًا بالمقارنة مع الاقتصادات المتقدمة فيما يتعلق بقطاعات الصناعة والزراعة والخدمات، فضلًا عن تصدر الدول في مجال مراعاة البيئة.

الديون

وتأتي الديون لتشكل عنصرًا مهمًا في بيان صحة الاقتصاد من عدمه، وبشكل عام يمكن القول إن هذا "عنصر مرض" للغالبية الكاسحة من اقتصادات العالم بدرجات متفاوتة، إذ يبلغ إجمالي الديون العالمية وفقًا لتقدير صندوق النقد الدولي حوالي 184 تريليون دولار، بما يساوي تقريبًا 225% من قيمة الناتج المحلي لكافة دول العالم مجتمعة.

ويؤكد هذا ما يحذر منه اقتصاديون كثر من أن النمو الاقتصادي أصبح مدفوعًا بالنمو وأنه "إذا طالب المدينون كلهم فجأة بمستحقاتهم بسبب أزمة طارئة أو انهيار مالي مفاجئ فإن هذا سيعني انهيارًا تامًا للاقتصاد العالمي وهذا الوضع الهش أبعد ما يكون عن الشكل الصحي للاقتصاد.

ويبقى العامل الرئيسي في اعتبار اقتصاد دولة "صحيًا" من عدمه في "التوازن"، فعلى سبيل المثال كان الاقتصاد اليوناني ينمو بنسب جيدة قبل أزمة الديون السيادية وحقق معدلات نمو تفوق 3% سنويًا (وهي جيدة للغاية قياسًا بالمعدلات الأوروبية).

غير أن فشل "عنصر واحد" بشكل كامل وهو الارتفاع القياسي في نسبة الديون أدى لتدهور الاقتصاد ككل والمعاناة من تضخم وبطالة فضلًا عن إفلاس الكثير من الشركات. لذا كي يصبح الاقتصاد صحيًا يجب أن تعمل "أعضاؤه" جميعًا بكفاءة، حيث إن الفشل التام لأحدها يجهز على الاقتصاد ككل ، بينما أداء دون المتوسط لكافة الأعضاء يجهز عليه أيضًا.أرقام





أخبار ذات صلة

Horizontal Ad

تغريدات


الإعلانات