غسل الأموال يلتهم 5 % من الناتج العالمي .. الخسائر تقارب تريليوني دولار

فى: الجمعة - يونيو 21, 2019      Print

هشام محمود من لندن

تتيح التطورات السريعة في مجال المعلومات المالية والتكنولوجيا والاتصالات، للأموال التحرك في أي مكان في العالم بسرعة وسهولة، وبقدر ما أسهم ذلك في دعم النمو والتنمية في عديد من الاقتصادات، وتحويلها من اقتصادات متخلفة إلى اقتصادات ناشئة، فإن الانتقال السهل لرؤوس الأموال ترافق مع ما بات يعرف بغسل الأموال.
وأسهمت تلك الظاهرة - بحسب مراقبين - في تآكل كثير من ثمار النمو الاقتصادي، وهو ما جعل مكافحتها أكثر الحاحا من أي وقت مضى
وإذا كان الطابع السري لعمليات غسل الأموال يعيق عملية مكافحتها ووضع حد نهائي لها، فإن الأمر الأكثر صعوبة وتعقيدا هو عدم القدرة على معرفة القيمة الإجمالية لرؤوس الأموال التي تمر عبر دورة غسل الأموال.
وتقدر أغلب الدراسات الدولية الموثوق بها الأموال التي يتم غسلها حول العالم سنويا بين 2 و 5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، أو ما يراوح بين 800 مليار دولار إلى تريليوني دولار، وعلى الرغم من أن الهامش بين الرقمين كبير، إلا أن الرقم الأدنى يؤكد خطورة المشكلة، التي تحظى بإجماع دولي لمواجهتها.
أحد الأسئلة الرئيسة في مجال مكافحة غسل الأموال، ترتبط بالأسباب التي سمحت بتنامي الظاهرة المتنامية، بحيث باتت تمثل عبئا ملحوظا على الاقتصاد العالمي.
ويقول لـ"الاقتصادية"، الدكتور دانيال هوبكنز أستاذ الاقتصاد الدولي، وأحد الخبراء البريطانيين في مجال مكافحة غسل الأموال، "إن عددا من التطورات في النظام المالي الدولي في العقود الأخيرة جعل من مصادرة الدخل والأصول المتأتية من الإجرام أكثر صعوبة، كما أن استخدام الدولار بكثافة في تعاملات السوق السوداء محليا ودوليا، والاتجاه العام نحو إلغاء القيود المالية، والتقدم الذي حققته بعض الأسواق الإقليمية مثل منطقة اليورو، وانتشار الملاذات الآمنة، وتطورات البنية التحتية المالية، كل ذلك أسهم في تفشي تلك الظاهرة في معظم بلدان العالم بغض النظر عن تطورها الاقتصادي أو المالي".
ويشير الخبراء إلى صعوبة حصر مكافحة عمليات غسل الأموال على المستوى المحلي أو الوطني فقط، بل إن الأمر في حاجة إلى تعاون إقليمي ودولي في كثير من الأحيان.
فالتدفقات المالية الفاسدة تمثل تهديدا أمنيا خطيرا من خلال تآكل النزاهة المالية والسمعة الدولية، وهو ما تقوم به إيران على سبيل المثال وتحديدا الحرس الثوري الإيراني الذي يلجأ لعمليات غسل الأموال للتغلب على العقوبات المفروضة على إيران.
كولن جارسون الباحث الاقتصادي يرى أن إحراز تقدم في مجال غسل الأموال على المستوى الدولي يتطلب ثلاث خطوات رئيسة.
ويضيف لـ"الاقتصادية"، أنه يجب الاتفاق على معيار عالمي للشفافية فيما يتعلق بالملكية المعززة بالبيانات الموثقة، وأن تكون السجلات موحدة ومترابطة لتسهيل التعاون، ويجب فرض عقوبات شديدة على الوسطاء مثل البنوك والشركات والكيانات المتورطة في عمليات غسل الأموال، مضيفا أنه يجب أن يتبنى هؤلاء الوسطاء العقلية السائدة ذاتها في صناعة النفط مثلا، فالشركات النفطية الكبرى تقود عملية تحسين الصناعة، وعلى البنوك على سبيل المثال أن تتولى عملية تحسين مجال الخدمات المالية من خلال التصدي لغسل الأموال، إضافة إلى رصد مزيد من الموارد من أجل التطبيق الفعال للقوانين.
إلا أن بعض الخبراء في مجال مكافحة غسل الأموال يبدون تشاؤما واضحا من قدرة المجتمع الدولي على التصدي الجذري لتلك الظاهرة، من منطلق تطور الاقتصادات الرأسمالية الكبرى وتحقيقها منافع مالية ضخمة من تلك الظاهرة.
ففي عام 2018 كشفت التحقيقات عن تورط "دانسك بنك" - أكبر بنك في الدنمارك - "بمعالجة" 230 مليار دولار من المعاملات المشبوهة، كما أن ما يعرف بفضيحة أوراق بنما عام 2016 كشفت عن عمليات احتيال بمليارات الدولارات وتهرب ضريبي عبر استغلال الملاذات الآمنة.
ووفقا لتقرير أوروبي رسمي صادر عام 2017، فإن غسل الأموال يصل إلى 1.2 في المائة من اجمالي الناتج المحلي السنوي للاتحاد الأوروبي أو نحو 225.2 مليار دولار.
وأشار بعض الباحثين البريطانيين إلى أن الولايات المتحدة والمملكة المتحدة أكثر الوجهات جاذبية من حيث الأموال غير المشروعة، حيث تتميز صناعاتهما المالية بالتطور الشديد واليسر، ودعا الباحثون البلدين اللذين يتزعما الجهود الدولية لمكافحة غسل الأموال، لتحقيق مزيد من التقدم في جهودهما المحلية للتصدي لتلك الظاهرة، إذا أرادا أن يكونا نموذجا دوليا يحتذى به في هذا المجال.
وتقول لـ "الاقتصادية"، سارة فاينلي المديرة التنفيذية في مجموعة "نيت ويست" المصرفية، إن "البيانات الرسمية للوكالة الوطنية البريطانية للجريمة، تشير إلى أنه في كل عام يتم غسل نحو 90 مليار جنيه استرليني من الأموال الإجرامية عبر المملكة المتحدة، والخطير أنه يتم غسل بعض تلك الأموال من خلال مدفوعات المدارس الخاصة البريطانية، وعلى الرغم من أن الأموال المستخدمة في الرسوم المدرسية تكون صغيرة وفقا لمعايير غسل الأموال، إلا أن هؤلاء المجرمون يحاولون شراء موطئ قدم لأبنائهم في مجتمع محترم، فهم عمليا يقومون بغسل سمعة الأسرة من خلال فتح باب الاحترام للجيل المقبل".
وتتخذ الحكومة البريطانية حاليا مزيدا من الإجراءات والتدابير الصارمة للتصدي "للأموال القذرة"، ومن أبرز تلك التدابير تدريب أطقم من المحاسبين المؤهلين والمهرة مهنيا للقيام بدور رئيس في مكافحة الجريمة الاقتصادية عموما وغسل الأموال على وجه الخصوص، خاصة مع اقتراب موعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ورغبة الحكومة البريطانية في أن تصبح البلاد منارة عالمية للمعايير العالية.
ويبقى السؤال عن أهم الدول التي تقع ضمن قائمة الدول التي تسهل فيها عملية غسل الأموال، لكن الغريب في الأمر أنه لا توجد قائمة قاطعة أو موحدة ومتفق عليها دوليا في هذا الشأن.
ويقول لـ"الاقتصادية"، أوتول سكوفيلد الخبير الضريبي، إن"المشكلة تكمن في أنه في كثير من الأحيان تتدخل العوامل السياسية في تحديد تلك القائمة، فالبعض يضع في المقدمة بلدان مثل سويسرا حيث النظم البنكية متطورة وذات جاذبية ضخمة، وهو ما يحدث في عدد من البلدان المتقدمة أيضا مثل إسبانيا وإمارة ليختنشتاين التي تعد أحد الملاذات الآمنة، التي سبق أن تعرضت لانتقادات دولية بأن نظامها البنكي سمح لعصابات روسية ومافيا إيطاليا ومهربين مخدرات كولومبيين بغسل أموال لعمليات غير مشروعة، كما أن هونج كونج تعد أيضا أحد أبرز مناطق غسل الأموال في العالم وآسيا تحديدا، ويتهم البعض القيادة الصينية بإغماض الطرف عن هذا عمدا لما تحققه من أرباح".
أما قائمة المفوضية الأوروبية للدول التي تشكل تهديدا بسبب التساهل في تمويل الإرهاب وغسل الأموال فتتضمن بلدانا مثل أفغانستان، وجزر البهاما، وساموا الأمريكية، وبتسوانا وإيران والعراق وليبيا ونيجيريا وباكستان وسريلانكا وسورية واليمن وتونس وترينيداد وتوباجو.
ويرى سكوفيلد أن "تلك القائمة لا شك ستؤثر في السمعة وتعقد المعاملات المالية مع الاتحاد الأوروبي، لكن البعض يشكك في مدى مصداقيتها، فأغلب تلك البلدان ربما لا تكون أنظمتها القانونية صارمة فيما يتعلق بغسل الأموال، لكن أنظمتها المصرفية لا يمكنها التعامل مع كميات ضخمة من الأموال مقارنة بالأنظمة المالية الغربية المتطورة، وإن كان بعضها يشهد تدخلا مباشرا من الدولة بشكل واضح وصريح في عمليات غسل الأموال مثل إيران، ما يسهل تلك العمليات غير المشروعة ويجعل من الصعب على الأجهزة الدولية مكافحتها".الاقتصادية





أخبار ذات صلة

تصفح مجلة الغرفة إلكترونيا

تغريدات


الإعلانات