تحوّلات الصحافة في ظل الذكاء الاصطناعي

فى: الأحد - ديسمبر 23, 2018      Print

يُحدث الذكاء الاصطناعي خضةً في الوسط الصحافي الحالي، وقد أصبحت كتابة وتوزيع الأخبار المؤتمتة من دون أي إشراف، بُشرى حقيقةً واقعة غالباً ما لا يدركها القارىء. المشهد يثير عدداً من التساؤلات، حيال الأمور التي يتوجب على صحافيي المستقبل تعلّمها، وما إذا كان هذا الواقع يرجّح تحسين ظروف العمل في القطاع، أو ما إذا كانت الشركات الإعلامية تعتبر في حالة ربح أو خسارة.

تفرض الثورة الصناعية الرابعة مزيجاً من التغيرات في عالم الأعمال وقد حلّ زمن أصبحت معه الوظائف في الصحافة بحكم الزائلة، بالتزامن مع الغياب الفادح للاستثمار في الابتكار.

ويمكن اعتبار إنتاج الأخبار المؤتمتة مجرد استكمال لعملية الأتمتة التي بدأت مع أواخر الثمانينيات في غرف الأخبار في بعض مدن العالم، واستمراراً للصحافة الموجهة بالبيانات.

ويتفق العديد من الخبراء، فيما يتعلق بما إذا كانت الأتمتة ستطرد عدداً من الصحافيين من وظائفهم، مع رأي الصحفية والمطورة وطالبة الدكتوراه لورانس ديريكس، حول قلة التقديرات، كما القول بأن كافة الدراسات التي تنطوي على علاقات إنسانية ستكون محفوظة، وأن هناك الكثير من التناقضات بحيث لا يمكن لأحد توقع المستقبل.

قد يكون صحيحاً بأن عدداً متزايداً من المهمات المتكررة يمكن أتمتته، إلا أنه يستحيل تطوير تكنولوجيا تحلّ مكان الجزء البشري الجوهري في المهنة كالعلاقة القائمة مع المصادر، وإبداء وجهة نظر التحليل المتعمق وتحديد جدوى الأخبار من عدمها.

وتشدد ديريكس، في هذا الإطار على أن تعزيز قدرات الابتكار «بدلاً من وضع تقنيات الأتمتة في خانة العدو وحسب، لماذا لا ننظر إلى الجانب الأفضل وجعلها حليفاً لنا، سيما أنه بات لدينا ما يكفي من الأمثلة التي توضح نجاح العملية».

كما تشدد ديريكس، بدافع الوعي بأن ما يجدي في عالم الصحافة قد لا يتوافق على الدوام مع عالم الشركات والأعمال على الحاجة للاضطلاع بدور أكثر فعاليةً وتطوير علاقة أوثق مع التطور التكنولوجي. وتطرح في السياق عدداً من التساؤلات:«ما الذي نريد أن يقوم به الذكاء الاصطناعي اليوم، وفي المستقبل بشكل أهم؟ وكيف تظن أنه يستطيع المساعدة في القيام بعملك على نحو أفضل؟ وكيف تعتقد بأنه قادر على دعم ما يجب أن تكون عليه الصحافة؟»

أما هيلين فوت المتقاعدة من الصحافة بعد 42 عاماً فتشير إلى ضرورة أن يتم التعاون الوثيق مع المطورين، وترى بأن «العديد من أصحاب المدرسة الصحافية القديمة لا يستطيعون على ما يبدو التواصل مع التقنيين ولا يفهمون ما الذي يقوم به المطورون، ولا يقدرون بالتالي عملهم».

مضاعفات أخلاقية وقانونية

لا تزال المضاعفات الأخلاقية والقانونية المتعلقة بالأخبار المؤتمتة تحظى بقليل من الإجابات وتطرح الكثير من التساؤلات، حسب قول ماتياس سبيلكامب، مؤسس ومدير منظمة «ألغوريثمواتش» المعنية بالتحقق من تبعات القرارات الخوارزمية على المجتمع. ويشير إلى وجود مقاربات كثيرة للنصوص المنتجة آلياً، بحيث أن بعض القراء يحتاجون للشفافية في حين أن عدداً منهم يبدو غير مبالٍ.

ويمتد الجدال إلى مساحات صحفية أخرى كتوزيع المحتوى المؤتمت، وكيفية توزيع نطاقات المسؤولية القانونية، حيث يدرج مثال حول صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، فإذا لجأت إلى شبكة توزيع روبوتية واسعة لدفع المحتوى وتوجيهه لشريحة معينة من الجمهور، فإن كثراً سيشعرون بالنفور من الخطوة بغض النظر عن مصداقية النقل الصحفي. وتشير بعض الآراء إلى أن ظهور مقال تشهيري ما في الصحف سيعرّض الناشر للمساءلة حتى لو كانت الآلة هي «الموقعة».

تشير دراسة حديثة أجرتها وكالة «ذا أسوشييتد برس» إلى أنه بحلول العام 2027، ستحظى غرف الأخبار بترسانة من أجهزة الذكاء الاصطناعي، وسيعمل الصحافيون على الدمج السهل للآلات الذكية في منظومة عملهم اليومي. وسيتمكن الذكاء الآلي من القيام بأكثر من مجرد التمخض عن تقارير إخبارية مباشرة مؤتمتة.

سيتيح الذكاء الاصطناعي للصحافيين تحليل البيانات، وتحديد الأنماط والتيارات من مختلف المصادر، رؤية أشياء لا يمكن معاينتها بالعين المجردة، وتحويل البيانات والكلام الشفهي إلى نص، والنص إلى محتوى مسموع ومرئي، وفهم المشاعر، وتحليل مشاهد الأشياء والوجوه والنصوص أو الألوان وسواها. حين يستخدم الصحافيون تلك الأدوات لتعزيز التقارير والكتابة والتحرير، نحصل على ما نسميه الصحافة المعززة.

2015

في عام 2015 بدأت وكالة الأخبار النرويجية العمل على مشروع لإصدار أخبار تغطي مباريات كرة القدم، وقد أطلق عام 2016. وتعلّمت مجموعة من الصحافيين مع خبراء في مجال الذكاء الاصطناعي مهارات جديدة، فيما تمّ تدريب روبوت في الأثناء، في قرار جوهري لتطوير خوارزمية العمل.

وفي سياق التعليق على المسألة، قالت هيلين فوت المتقاعدة من الصحافة:«لا بدّ من وجود كمية هائلة من المدخلات التحريرية لمساعدة الروبوت على انتقاء الخيارات الصائبة وقد أدت عملية التعلم في غرفة الأخبار لولادة عدد من الأفكار المتعلقة بمجالات الأتمتة المحتملة بدءاً بالأخبار البسيطة المتعلقة بأحوال الطقس وأسعار السلع، وصولاً إلى خطة طموحة لتقديم خدمات ليلة الانتخابات مؤتمتة بالكامل في الانتخابات النرويجية المحلية العام المقبل».

وبالرغم من أن بعض التقارير الرياضية المؤتمتة التي أشرف عليها فريق من الصحفيين أثبتت بأنها موثوقة بنسبة 99%، فإنه في سياق الأحداث، لم تتمكن الخوارزمية من التنبؤ بالأسباب التي أدت بحادثة ما لإلغاء مباريات مقررة، على سبيل المثال، لذا كانت مبرمجة على عدم كتابة أي شيء.

نجاح غير مضمون

من المؤكد أن موجة الابتكار التكنولوجي المقبلة لا تختلف عن سابقاتها، بمعنى أن نجاحها سيظل يعتمد على كيفية تطبيق الصحافيين للأدوات الجديدة. فالذكاء الاصطناعي صناعة بشرية، وإن كافة التأثيرات الأخلاقية والتحريرية والاقتصادية المرعية لدى إنتاج محتوى إخباري تقليدي لا تزال تطبّق على هذا العصر الجديد من الصحافة المعززة.

الأمر المحزن فيما يخص الذكاء الاصطناعي أنه يفتقر للحيلة وبالتالي للذكاء.

جان جان بودريار (فيلسوف فرنسي)

خطر الذكاء الاصطناعي الأعظم يكمن في استنتاج فهم الناس له مبكراً.

إليزر يودكوسكي (كاتب أميركي)

قبل أن نعمل على الذكاء الاصطناعي لماذا لا نفعل شيئاً من الغباء الطبيعي؟

ستيف بولياك (عالم كومبيوتر أميركي)

البيان





أخبار ذات صلة

تصفح مجلة الغرفة إلكترونيا

تغريدات


الإعلانات