أين سيأخذنا التطور في الثورة الصناعية الرابعة؟

فى: الخميس - يوليو 04, 2019      Print

عائشة الجيار

كيف يمكن أن يساعدنا فهمنا للتطور على تفسير ماضينا؟ إن فهمنا لعملية التطور في الحياة وكيف تطورت من كائنات بسيطة إلى معقدة، هذا الفهم يمكننا من إعادة بناء الماضي وفي ذات الوقت يساعدنا التفكير التطوري على فهم أصل الكون وصولاً للعمليات الدقيقة داخل عقل الإنسان. هل فهم عملية التطور يمكن أن يعطينا لمحات عن المستقبل؟ هل ستصبح تقنية «تحرير» الجينات ضرورة في المستقبل القريب؟ هل يمكن أن نعلم عن موارد الكواكب ما يساعدنا لتجنب الانهيار البيئي في كوكبنا، أو السؤال الأهم كيف يمكن أن يتطور المجتمع البشري؟ كل هذه الأسئلة جاءت في مقالة تحليلية هامة تحت عنوان «أين سيأخذنا التطور في الثورة الصناعية الرابعة؟»، نشرت على موقع «المنتدى الاقتصادي العالمي»، أخيراً، وذلك ضمن الاجتماع السنوي لـ«the New Champions»، وأعدها كل من جوليانا تشان، الرئيس التنفيذي لمجموعة «Wildtype Media Group»، وبنيامين سيت، المدير التنفيذي لمجلس البحوث الطبية الحيوية، في وكالة العلوم والتكنولوجيا والبحوث في سنغافورة. سجلات التطور عالم الأحياء الجزيئية البريطاني والحائز جائز نوبل في عام2002، سيدني برينر، والذي توفى في أبريل الماضي عن عمر 92 عاماً، أعطى محاضرات لمدة عام كامل، في عام2017، في محاولة لفهم التطور، وذلك من خلال رحلة علمية، في علم الكونيات والكيمياء والبيولوجيا وعلم الحفريات وعلم الآثار، والأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع، وذلك على مدى 14 مليار عام من عملية التطور. اعتمد كل من تشان وسيت، على هذه المحاضرات لعرض ثلاث محاور أساسية، هي أيضاً وجهات نظر لفهم التطور: المحور الأول: تفوق التقنيات الجديدة لتحرير الجينات على التطور البيولوجي. هل يدفعنا التطور دائما للأمام، وهل سيكون ذلك للأفضل؟ الإجابة هي لا. التطور هو تطور في الشكل والوظيفة ولكنه ليس هادفاً بالضرورة. نشهد الآن في الثورة الصناعية الرابعة، أكثر مراحل التطور ثورية، استخدام تقنيات تحرير الجينات «CRISPR-Cas9»، والتي من خلالها أصبحنا قادرين على أعادة تشكيل الجينوم البشري وتغيير الشكل والوظائف البيولوجية. لقد بدأ بالفعل البحث عن الكمال البشري من خلال تحرير الجينات، ففي نوفمبر 2018، أعلن العالم الصيني «خه جيان كوي» عن أول طفلين معدلين جينيا في العالم، وفي يونيو 2019، أعلن العالم الروسي دينيس ريبيكوف عن خطط مماثلة لتعديل الحمض النووي للأجنة البشرية لمنح المناعة ضد فيروس نقص المناعة البشرية «الإيدز»، وتعد هذه التطورات تحديات أخلاقية جديدة، وقد أثارت عاصفة من الاعتراضات ونداءات بموقف عالمي، لوقف تحرير الجينات الوراثية. من الأسئلة التي تثيرها إمكانية تسريع وتوجيه مسار التطور البيولوجي، هو كيف يمكن أن ندير التغييرات والآثار الجانبية لهذا التطور؟ ومثل هذا التساؤل أو بالأحرى المخاوف، هو ما دفع أعلى محكمة في الاتحاد الأوروبي، محكمة العدل، لإصدار حكم في يوليو 2018 بأن المحاصيل المحررة جينيا -المعدلة وراثيا- يجب أن تخضع لنفس اللوائح الصارمة التي تخضع لها عملية تحرير الجينات في الكائنات الحية. المحور الثاني: وصول عصر جيولوجي جديد .. «الأنثروبوسين» قبل 252 مليون عام انفجرت البراكين الضخمة، وحدث ما يسمى الموت العظيم، وهو حدث انقراض جماعي للكائنات الحية، أدى إلى القضاء على 96% من الحياة البحرية، و70% من جميع الفقاريات على الأرض، بعد حوالي 186 مليون سنة، ضرب كويكب عملاق الأرض، مما تسبب في تغيرات كارثية في المناخ، والتي وضعت حداً لعصر الديناصورات. في الوقت الراهن هناك إجماع متزايد بين علماء الجيولوجيا والمتخصصين على أن هناك حقبة جديدة تعيشها البشرية تسمى عصر «الأنثروبوسين»، العصر الجيولوجي البشري، حيث يتأثر في الغالب بالنشاط البشري وذلك على عكس الحقب الجيولوجية السابقة. يتحدث العلماء عن أن ظهور عصر «الأنثروبوسين» قد يقود الأرض إلى نقطة تحول وشيكة، وهو تغيير غير خطي معروف لعلماء البيئة عندما يتحول النظام، حيث لا تتناسب الآثار مع السبب، وهناك نقطة تحول واحدة محتملة هي البلاستيك! البلاستيك والتحول الوشيك مع نمو الصناعات والأعمال القائمة على البلاستيك، من المتوقع أن يحتوي المحيط على البلاستيك أكثر من الأسماك بحلول عام 2050، ومع تأثيرات لا حصر لها على الأسماك وعلى البشر الذين يتناولونها. علاوة على ذلك، فهناك أدلة جديدة تشير إلى أن كوكب الأرض بدأ يبطئ من حركته حول نفسه، وارتفاع منسوب المياه في البحار والمحيطات حول العالم. وقد يمثل التوسع الحضري السريع نقطة تحول أخرى، ففي عام 2014، وافقت دول مجموعة العشرين على استثمار 70 تريليون دولار أمريكي في البنية التحتية الجديدة بحلول عام 2030، والتي تترجم إلى 25 مليون كيلومتر من الطرق ومئات السدود الأخرى، 90 %منها سيتم بناؤها في المناطق الاستوائية. المحور الثالث: الهوس بالابتكار التكنولوجي والتقدير المفرط لقدراتنا إن التركيز على الابتكار التكنولوجي -بل وحتى الهوس به- قد يجعلنا نغفل عن الابتكار الاجتماعي الذي لا يقل أهمية عنه، وعلينا ان نحرص على الجانبين ومثال ذلك، مجال الطب، الذي يشهد تطور تكنولوجي مذهل، لكن في ذات الوقت لا يمكن الاستفادة من ذلك التطور التكنولوجي بدون تطور مبتكر بنفس القدر في كيفية إدارة النظم الصحية وكيفية تقديم الرعاية الصحية. إن القدرة الجديدة على استغلال البيانات الموسعة في عالم الأجهزة الذكية ومجال الذكاء الاصطناعي، مبهر، لكنه في نفس الوقت، غير نظرتنا فيما يتعلق بالخصوصية والأمان. في الثورة الصناعية الرابعة، يجب أن نكون حذرين لنتجنب مشاعر الغطرسة، والتقدير المفرط لقدرتنا، واعتمادنا المفرط على حل واحد، سواء كان ذلك هو الإصلاح التكنولوجي أو الاقتصادي الذي لا يأخذ في الاعتبار تعقيد النظم الاجتماعية. أن الحياة ستستمر في التغيير بطرق لا يمكن التنبؤ بها ولا يمكننا التحكم فيها تمامًا. ويجب أن تتطور التكنولوجيا والعلوم والثقافة معا، نحتاج لنتأمل فيما نفعله بالتطور، وندرك أن خياراتنا هي التي ستوجه مصيرنا التطوري.

القبس





أخبار ذات صلة

Horizontal Ad

تغريدات


الإعلانات