تراجع النمو وانخفاض الإنتاجية يزيد من الاختلالات الخارجية لدول الشرق الأوسط

فى: الجمعة - مايو 24, 2019      Print

بواسطة حسين البطراوي

صحافي مصري- مجلة المجلة السعودية

* نمو دول مجلس التعاون الخليجي مستقر... وانكماش في الاقتصاد الإيراني
* مصر ستحقق نمواً قدره 5.5 %... وارتفاع الإنتاج في قطاع الغاز الطبيعي... وانتعاش السياحة
* منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أقل عرضة للتغيرات في اتجاه موازين المعاملات الجارية
* الربط الرقمي ضرورة لإطلاق اقتصاد جديد قادر على تسريع وتيرة النمو وتوفير فرص عمل

القاهرة: حافظت بعض بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على أرصدة المعاملات الجارية «غير المبررة» لعدة سنوات، وفقدت السياسات المالية جانبا من دورها التاريخي كمحرك للمعاملات الجارية. بالإضافة إلى ذلك، يبدو أن قدرة المنطقة على إعادة توزيع الوفورات من بلد إلى آخر قد ضعفت، على الأخص منذ عام 2014، عندما أصبحت إعادة الهيكلة العالمية لسوق النفط واضحة للغاية، ويشير التراجع في حركة الوفورات عبر الحدود إلى أن بلدان المنطقة التي عادة ما كانت تقوم بتمويل العجز التجاري وعجز المعاملات الجارية لبلدان أخرى تواجه هي نفسها الآن انخفاضا في أرصدة معاملاتها الجارية. لذلك، ففي الأمد المتوسط إلى الطويل، يجب أن يتقلص العجز المفرط في المعاملات الجارية حاليا بصورة تدريجية بدلا من الانتظار حتى تفرض تدفقات رأس المال المتدنية على بلدان المنطقة تغيرا في اتجاه هذا العجز.
ومن الممكن سد الاختلالات الخارجية تدريجيا، لكن فقط إذا نُفذت الإصلاحات الهيكلية على وجه السرعة، لأن المحرك الرئيسي للعجز كان دوما هو تراجع النمو وانخفاض إجمالي إنتاجية العمالة فيما يبدو. ويمكن للانطلاقة الكبرى أن تلعب دورا، فالأمر يتعلق بوضع أهداف طموحة لكنها قابلة للتحقيق تتطلب إصلاحات هيكلية يمكن أن تلقى مساندة واسعة من صناع القرار والمجتمع المدني في المنطقة على حد سواء. بالإضافة إلى إصلاحات هيكلية أخرى، ربما تكون أكثر صعوبة، تكمل الانطلاقة الرقمية الكبرى.
من المتوقع أن يستمر نمو إجمالي الناتج المحلي الحقيقي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال عام 2019 بوتيرة متواضعة، وتوقع خبراء البنك الدولى أن ينمو اقتصاد المنطقة بنحو 1.5 في المائة في عام 2019. انخفاضا في المتوسط من النمو المقدر بنسبة 1.6 في المائة في 2018، في ظل غيوم من ضعف النمو العالمي وتقلبات الأسواق المالية العالمية.
وتقود البلدان النامية المستوردة للنفط النمو المتوقع، مثل مصر التي تمثل نحو 8 في المائة من إجمالي الناتج المحلي للمنطقة. ومن المتوقع أن يكون نمو دول مجلس التعاون الخليجي مستقرا في حين يزيد انكماش الاقتصاد الإيراني.


صندوق النقد الدولي



البلدان المصدرة للنفط
وبلغ متوسط سعر خام برنت 71 دولارا للبرميل عام 2018، بزيادة 31 في المائة عن العام السابق، وحدثت معظم الزيادة في الأرباع الثلاثة الأولى من العام. وساهم الطلب العالمي القوي على النفط، إلى جانب استئناف العقوبات الأميركية على النفط الإيراني وتعطل الإنتاج في فنزويلا، في انتعاش الأسعار الذي انتهى فجأة قرب نهاية 2018.
ومع ارتفاع مستويات الإنتاج بشكل قياسي في كل من الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية، بالإضافة إلى الإعفاءات الأميركية على صادرات النفط الإيرانية إلى مستهلكي النفط الكبار مثل الصين والهند، انخفض سعر برنت 37 في المائة في آخر 12 أسبوعا من عام 2018. وفي بداية 2019. كان السعر نحو 53 دولارا للبرميل، وهو ما يقل كثيرا عن متوسط السعر في 2018.
وفي يناير (كانون الثاني) 2019، بدأ تطبيق الخفض الطوعي للإمدادات الذي قادته منظمة البلدان المصدرة للنفط وروسيا. وخففت هذه الجولة من الخفض من الضغوط الناجمة عن ارتفاع الإنتاج في الولايات المتحدة، ورفعت سعر النفط إلى 65 دولارا للبرميل اعتبارا من 5 مارس (آذار)، بزيادة 23 في المائة عن مستواه في يناير الماضي. وتتوقع السوق أن يبقى سعر النفط عند مستوى 65 دولارا تقريبا للبرميل خلال عام 2019. ومع هيمنة النفط والغاز على صادراتها، من المتوقع أن تشهد البلدان المصدرة للنفط في المنطقة نموا متواضعا عند 0.9 في المائة عام 2019. نظرا للانكماش المتوقع في إيران.
إن التحسينات في اقتصاد دول مجلس التعاون الخليجي والبلدان النامية المصدرة للنفط يجب أن تعوض الانكماش المتوقع في إيران بسبب العقوبات الأميركية بل وأكثر. كما أن الزخم في تنبؤات النمو لمصدري النفط ناتج جزئيا عن تعبئة الإيرادات غير النفطية بعد انخفاض أسعار الخام. وأدى تطبيق ضرائب القيمة المضافة في دول مجلس التعاون الخليجي، والرسوم المفروضة على المغتربين في السعودية والإمارات، وخفض دعم الطاقة في إيران والسعودية وسلطنة عمان إلى تحسين حيز المالية العامة بما يكفي للسماح للبلدان المعنية بزيادة المصروفات الرأسمالية في الأنشطة غير النفطية، وخاصة البناء. ومن المتوقع أن تستمر أنشطة البناء بعد انتعاش أسعار النفط، خاصة في دول مجلس التعاون الخليجي.
من ناحية أخرى، ليس هناك ما يضمن ارتفاع عائدات النفط في ظل خفض الإنتاج. وإذا لم تتجاوز أي زيادة في السعر بسبب خفض الإنتاج مستوى الخفض في حجم الإنتاج، فقد لا تزيد الإيرادات.

مجلس التعاون الخليجي
من المتوقع أن يصل النمو في دول مجلس التعاون الخليجي إلى 2.1 في المائة في 2019. بارتفاع بنسبة 0.1 في المائة عن 2018، عندما انتعش النمو من انكماش قدره 0.2 في المائة في 2017 بسبب انخفاض الإنتاج وتراجع أسعار النفط.
ويعزى انتعاش النمو جزئيا وبصورة غير مباشرة للسياسات التي قللت من اعتماد دول المجلس على عائدات النفط. حيث اعتمدت دول المجلس خططا للإنفاق الرأسمالي يمكن تحمل تكاليفها.
وتدفع الإمارات استثماراتها في البنية التحتية للإعداد لمعرض إكسبو 2020. وبالمثل، ستواصل قطر أنشطة البناء استعدادا لبطولة كأس العالم لكرة القدم 2022. وتهدف رؤية السعودية 2030. المدرجة في موازنتها التوسعية لعام 2019 التي تم الإعلان عنها مؤخرا، إلى تعزيز النشاط غير النفطي والمضي في تنويع الاقتصاد عن طريق زيادة المصروفات الرأسمالية من بين عوامل أخرى. وقد بدأت الإصلاحات السابقة في المالية العامة تؤتي ثمارها في شكل يوفّر حيزا في المالية العامة، الأمر الذي سيدعم المصروفات الرأسمالية التي ستعزز بدورها النمو في الأجل القصير على الأرجح.



البلدان النامية المصدرة للنفط
من المتوقع أن ينخفض إجمالي الناتج المحلي للبلدان المصدرة للنفط في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بنسبة 0.9 في المائة في المتوسط عام 2019. بعد الانكماش بنسبة 0.3 في المائة عام 2018. بيد أن تنبؤات النمو تختلف في هذه المجموعة. وفي حين تشير التوقعات إلى انكماش حاد في إيران، من المتوقع حدوث توسعات ملحوظة في العراق واليمن. ومن المتوقع أن يشهد إجمالي الناتج المحلي الحقيقي لإيران عاما آخر من الركود مع تسجيل معدل انكماش قدره سالب 3.8 في المائة عام 2019 بعد انكماش قدره سالب 1.6 في المائة عام 2018، لانخفاض إنتاج النفط جزئيا بسبب العقوبات الأميركية. في الوقت نفسه، بعد انتهاء الحرب وتشكيل حكومة جديدة، من المتوقع أن ينمو الاقتصاد العراقي 2.8 في المائة في 2019. بعد انكماشه بنسبة 1.7 في المائة عام 2017، وتسجيل انتعاش متواضع بنسبة 0.6 في المائة عام 2018. وقد يمنح الاتفاق على إعادة الإعمار دفعة للاقتصاد في السنوات المقبلة. ويتوقع خبراء الاقتصاد في البنك الدولي انتعاشا سريعا في اليمن في ظل احتمال كبح جماح أعمال العنف، رغم أن المخاطر لا تزال مرتفعة.

البلدان المستوردة للنفط
من المتوقع أن تشهد البلدان المستوردة للنفط، كمجموعة، نموا بنسبة 4 في المائة عام 2019. بارتفاع طفيف من 3.8 في المائة في 2018 مع عودة السياحة إلى المنطقة، وخاصة مصر وتونس، مما ساعد بشكل متواضع في خفض الاختلالات التجارية وعجز المعاملات الجارية.
ويرتبط الأداء الاقتصادي المتوقع لمستوردي النفط في المنطقة ارتباطا وثيقا بالتطورات في البلدان المجاورة الغنية بالنفط، وخاصة في دول مجلس التعاون الخليجي. وظهرت آثار إيجابية من جراء تدفقات رأس المال الناجمة عن انتعاش البلدان المصدرة للخام في المنطقة وكذلك زيادة الصادرات والاستثمار الأجنبي المباشر والتحويلات النقدية.
وفي حين أن هذه الآثار غير المباشرة مرهونة بعدم اليقين المرتبط بالنفط، فإن الاعتماد المتزايد على التمويل من المؤسسات الدولية مثل صندوق النقد الدولي قد يساعد في تخفيف مواطن الضعف هذه في الأمد القصير ويتوقع البنك الدولي أن تكون مصر واحدة من أفضل البلدان أداء بين مستوردي النفط في المنطقة، حيث تشير التنبؤات إلى أنها ستحقق نموا قدره 5.5 في المائة في عام 2019. وهو الأقوى منذ عام 2008. والمحرك الرئيسي وراء هذا النمو هو ارتفاع إنتاج الغاز الطبيعي، وانتعاش السياحة، وزيادة الإنفاق الاستثماري الحكومي. ونظرا لأن الزيادة في إيرادات ضريبة القيمة المضافة وضرائب الدخل فاقت النفقات، إضافة إلى خفض الدعم عدة مرات، فقد تقلص عجز الموازنة في مصر خلال العامين الماضيين. ومن المتوقع أن يحقق رصيد المالية العامة الأولي فائضاً قدره 1.8 في المائة من إجمالي الناتج المحلي في عام 2019. غير أن التحسن في النمو ذاته ساعد في تحقيق تحسن في أرصدة المالية العامة. ومن المتوقع أن يستمر هذا الاتساق بين النمو والإصلاحات المالية في الأمد القريب.
ويواجه لبنان تحديات اقتصادية بسبب أعباء الديون، ومن المتوقع أن تبلغ نسبة الدين إلى إجمالي الناتج المحلي نحو 151 في المائة في المائة عام 2019. وأن يرتفع العجز الكلي في الموازنة إلى 12.4 في المائة من إجمالي الناتج المحلي في عام 2019، مقارنة مع 11.5 عام 2018. ويذهب نحو ثلث إجمالي الإنفاق على خدمة الديون، والتي من المتوقع أن تظل عبئا ثقيلا في المستقبل القريب. ومن منظور إيجابي، انخفضت عائدات السندات السيادية بعد تعهد قطر بشراء سندات لبنانية بقيمة 500 مليون دولار. وقد يؤدي الإعلان عن تشكيل الحكومة الجديدة إلى تعزيز معنويات السوق بعد المتاعب الاقتصادية في الآونة الأخيرة، ويرجع ذلك جزئيا إلى توقعات بطرح حزمة إصلاح جديدة للمالية العامة قريبا.


نصيب الفرد
ويعدّ نمو نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي أقل من النمو الكلي لإجمالي الناتج المحلي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وذلك لأن النمو السكاني في المنطقة من أعلى المعدلات في العالم. وبشكل أكثر تحديدا، من المتوقع أن ينخفض دخل الفرد في المنطقة.
ونتوقع أن تحقق دول مجلس التعاون الخليجي انتعاشا متواضعا في 2019. ومع ذلك، ستشهد سلطنة عمان والبحرين، رغم التوقعات الإيجابية لإجمالي الناتج المحلي الحقيقي في كلا البلدين في عام 2019، نموا سلبيا في نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي، نظرا للنمو السنوي في عدد السكان بنسبة 4 في المائة و5 في المائة على التوالي، بسبب الزيادات بين الوافدين. ومن المتوقع أن تشهد البلدان النامية المستوردة للنفط نموا بنسبة 2.6 في المائة في نصيب الفرد من الدخل، في حين ستواجه البلدان النامية المصدرة للنفط انخفاضا بنسبة 2.4 في المائة، ويرجع ذلك إلى حد كبير للتراجع المتوقع بنسبة 4.8 في المائة في نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي في إيران.
وفي الأجل المتوسط، يتوقع البنك الدولي أن ينمو إجمالي الناتج المحلي الحقيقي في المنطقة بنسبة 3.4 في المائة و2.7 في المائة في عامي 2020 و2021 على التوالي. ويعزى الارتفاع المتوقع من معدلات النمو السابقة جزئيا إلى الاستمرار في إصلاحات السياسات الرامية لتنويع الاقتصاد وتعزيز بيئة ممارسة الأعمال.
وتتصدر البلدان المستوردة للنفط توقعات النمو مع ارتفاع بنسبة 4.7 في المائة من إجمالي الناتج المحلي الحقيقي بحلول نهاية عام 2021. ومن بين هذه البلدان، من المتوقع أن تحقق جيبوتي نموا قويا في فترة التنبؤات يصل إلى 8 في المائة عام 2021 بدعم من استثمارات الحكومة التي تهدف إلى تحويل البلد إلى مركز إقليمي للتجارة والخدمات اللوجستية والرقمية. وفيما يتعلق بنصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي، من المتوقع أن تشهد المنطقة نموا بنسبة 1.8 في المائة في عام 2020، ثم 1.3 في المائة عام 2021. ومع ذلك، فالانتعاش المتواضع في المنطقة لن يكون كافيا لتغيير واقع النمو المنخفض منذ فترة طويلة في نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي. ومن غير المرجح أن تكون العوامل الخارجية بحد ذاتها قادرة على إخراج المنطقة من الركود.

الأسواق المالية العالمية
أدت السياسة النقدية الأميركية الصارمة إلى رفع العائدات على سندات الخزانة الأميركية، والتي يتم تسعير السندات السيادية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على أساسها. إلى رفع تكاليف الاقتراض الخارجي للمنطقة، رغم أن الضغوط التصاعدية على أسعار الفائدة انحسرت بحلول يناير 2019. وينطوي هذا على مخاطر نزولية لبلدان المنطقة مع زيادة إصدار السندات في جميع بلدانها منذ بداية عام 2016. لا سيما بين مصدري النفط، حيث ظهرت احتياجات مالية كبيرة خلال فترة انخفاض أسعار النفط. لكن إصدار السندات تباطأ تدريجيا مع انتعاش أسعار الخام لكنه ظل قويا في كل دول مجلس التعاون الخليجي والبلدان المستوردة للنفط. وبحلول عام 2021. حيث من المتوقع أن تبلغ نسبة إجمالي الدين الخارجي إلى إجمالي الناتج المحلي 30 في المائة في المنطقة في المتوسط و40 في المائة في دول مجلس التعاون الخليجي، وسيكون النمو الاقتصادي في كل من البلدان المصدرة والمستوردة للنفط أكثر هشاشة في مواجهة الصدمات الخارجية لأوضاعها المالية.
من ناحية أخرى، من المتوقع أن يجذب إدراج خمسة من بلدان المنطقة في مؤشر سندات الأسواق الناشئة في «جي بي مورغان» تدفقات رأسمالية من المستثمرين في السندات الدولية. وخلال الأشهر التسعة من 2019، ستدخل جهات إصدار السندات السيادية وشبه السيادية من السعودية وقطر والإمارات والبحرين والكويت تدريجيا إلى المؤشر العالمي المتنوع والمؤشر العالمي في مؤشر سندات الأسواق الناشئة، ستشكل هذه البلدان الخمسة معا ما يقرب من 12 في المائة من كلا المؤشرين. وسيؤدي هذا إلى زيادة كبيرة في الطلب على السندات السيادية لدول مجلس التعاون الخليجي، لأنها ستصبح أدوات أكثر قابلية للتداول، خاصة من خلال استثمارات صناديق تتبع المؤشرين. كما أن زيادة الشفافية يمكن أن تعزز ثقة المستثمرين وتسهل وصولهم إلى الأسواق المالية العالمية.

تراجع نمو الشركاء
يتوقع البنك الدولي أن يتراجع النمو الاقتصادي في الشركاء التجاريين الرئيسيين لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وتتنوع أسباب بطء النمو ما بين عدم اليقين الناجم عن التوترات التجارية الدولية بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والصين، وتراجع التحفيز المالي في الولايات المتحدة، وتشديد سياسات الاقتصاد الكلي في الولايات المتحدة.
ومع بطء النمو الاقتصادي في الشركاء التجاريين الرئيسيين للمنطقة، من المرجح أن ينكمش نمو الطلب على صادراتها. وسوف تتأثر البلدان المستوردة للنفط، وخاصة البلدان في المغرب العربي، بشدة مع ارتباط التجارة ارتباطا وثيقا باقتصاد الاتحاد الأوروبي الذي تتراجع وتيرته. على سبيل المثال، من المتوقع أن ينخفض النمو السنوي للطلب على الصادرات التونسية من 1.9 في المائة في عام 2018 إلى 1.5 في المائة في 2021، ثم إلى 1.4 في المائة بحلول عام 2023. بسبب الانكماش المتوقع لاقتصاد الاتحاد الأوروبي.
وتشير الشواهد إلى أن دول مجلس التعاون الخليجي كمجموعة تبدو وحدها ضعيفة الأداء بالنسبة إلى العوامل الخارجية للنمو في السنوات القليلة الماضية. ويبدو أداء البلدان الأخرى المصدرة للنفط كمجموعة أعلى من إمكاناتها.

المعاملات الجارية
تدهورت أرصدة موازين المعاملات الجارية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الفترة من 2015 إلى 2017. بصورة فاقت أي منطقة أخرى. وقد أدى التدهور الشامل في الأرصدة الخارجية إلى الحد من قدرة المنطقة على إعادة توزيع الوفورات من البلدان المصدرة للنفط مرتفعة الدخل إلى البلدان النامية التي تعاني من عجز مستمر في موازين المعاملات الجارية. هناك حاجة ملحة لتطبيق إصلاحات هيكلية قادرة على زيادة إجمالي إنتاجية العمالة، على الرغم من تراجع مخاطر تعرض المنطقة لانعكاس مفاجئ في مسار تدفقات رأس المال.
وبالإضافة إلى انخفاض النمو الاقتصادي نسبيا، يعاني الكثير من بلدان المنطقة من عجز دائم في الميزان التجاري وميزان المعاملات الجارية. وقد ظل كثير من البلدان المستوردة للنفط مثل لبنان وجيبوتي والمغرب والأردن وتونس ومصر يعاني من هذا العجز وبسبب تحويلات المغتربين والمنح، فإن العجز في ميزان المعاملات الجارية أكبر بصورة كبيرة ومستمرة عادة من العجز التجاري. وعلى النقيض، تمتعت البلدان المصدرة للنفط في المنطقة تاريخيا بفائض كبير في موازين المعاملات الجارية، لكن هذا الأمر تغير في السنوات القليلة الماضية. فأرصدة المعاملات الجارية في المنطقة آخذة في الانخفاض.
وهذه التراجعات موجودة علی نطاق واسع في مختلف مجموعات البلدان بالمنطقة ولكنها أكثر وضوحا في دول مجلس التعاون الخليجي، إذ انخفض متوسط أرصدة المعاملات الجارية في دول المجلس من فائض كبير بلغ 16.5 في المائة من إجمالي الناتج المحلي بين عام 2000 وعام 2014 إلى عجز ضئيل بنسبة 0.7 في المائة من إجمالي الناتج المحلي بين عام 2015 وعام 2017. ويمكن أن يكون لهذه التطورات تبعات على التمويل المستقبلي للعجز في ميزان المعاملات الجارية في بلدان أخرى بالمنطقة.
وقد يمثل العجز المستمر في ميزان المعاملات الجارية وضعا لا يمكن تحمله في الأجل الطويل. ويمثل مفهوم وثيق الصلة، هو مركز صافي الأصول الأجنبية في بلد ما، تراكم الأصول من الاستثمارات في الخارج بعد طرح قيمة الأصول المملوكة للأجانب في الاقتصاد المحلي. فعندما يكون مركز صافي الأصول الأجنبية في بلد ما بالسالب، يمتلك الأجانب أصولا محلية أكثر من قيمة أصول ذلك البلد في الخارج. ومن حيث المبدأ، لا يمكن لبلد ما أن يراكم صافي أصول أجنبية سالبة إلى الأبد، وقد لا يكون المسار النزولي لصافي الأصول الأجنبية مستداما.
في حالة لبنان، بدأت أرصدة المالية العامة والمعاملات الجارية تتباعد في عام 2008 تقريبا، ورغم تحسن رصيد المالية العامة بشكل طفيف منذ ذلك الحين، استمر الاستهلاك الخاص في الارتفاع، مما دفع رصيد المعاملات الجارية إلى تسجيل عجز متزايد. وعلى الجانب الآخر، في السعودية، ارتبطت أرصدة المالية العامة والمعاملات الجارية ارتباطا وثيقا لأن الاستهلاك العام والخاص يرتفعان وينخفضان معا. وفي مصر، تحركت أرصدة المالية العامة والمعاملات الجارية في اتجاهات معاكسة في بعض الفترات وفي الاتجاه نفسه في فترات أخرى. ونخلص من الحالة المصرية إلى أن استهلاك القطاع العائلي يتحرك إلى حد كبير بشكل يتسق مع رصيد المعاملات الجارية. فحينما انخفض استهلاك القطاع العائلي من عام 2000 إلى عام 2004. تحسن ميزان المعاملات الجارية. وعندما ارتفع الاستهلاك من عام 2006 إلى عام 2018. دخل ميزان المعاملات الجارية في حالة عجز. وبالفعل، استمر ميزان المعاملات الجارية في التراجع حتى بعد أن بدأ عجز المالية العامة في التحسن، وذلك بالتحديد لأن الاستهلاك الخاص فاق تأثير التحولات في حسابات المالية العامة.
وإحصائيا، تبدو منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أقل عرضة للتغيرات في اتجاه موازين المعاملات الجارية عن بقية العالم.

إنتاجية العمالة
في عام 2018، حث البنك الدولي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على السعي لتحقيق انطلاقة كبرى لتحقيق هدف طموح يتمثل في الربط الرقمي. بحلول عام 2021، ستتمكن البلدان التي تحقق تلك الأهداف الطموحة، والقابلة للتحقيق في الوقت ذاته، من توفير إمكانية الحصول على وصلات للبيانات عبر الإنترنت عريض النطاق وشبكات الهاتف المحمول من الجيل الخامس لمعظم السكان، بالإضافة إلى أنظمة المدفوعات الرقمية.
وتعد هي اللبنات الأساسية لإطلاق اقتصاد جديد قادر على تسريع وتيرة النمو وتوفير فرص عمل كريمة للعدد المتنامي من سكان المنطقة من الشباب المتعلم، وخاصة النساء. ولعل الأهم من ذلك، هو أن نهج الانطلاقة الكبرى قادر على حشد دعم المجتمع المدني للتغيير في مجالات تتجاوز بكثير التكنولوجيا الرقمية والاتصالات، لأن أهدافها الطموحة ستحظى بدعم شعبي واسع على الأرجح. في الواقع، سيتطلب تحقيق أهداف الانطلاقة الكبرى إصلاحات عاجلة في مجالات البنية التحتية للاتصالات وإصلاحات تنظيمية في قطاعي الاتصالات ونظام المدفوعات. ويجب أن تعزز الإصلاحات المطلوبة المنافسة من خلال ضمان أن الشركات يمكنها بسهولة دخول الأسواق والخروج منها في قطاعات الاتصالات وبيانات الهواتف المحمولة والمدفوعات.
وإلى جانب الانطلاقة الرقمية المرجوة، هناك مجالات أخرى من السياسات الاقتصادية التي تتيح فرصا للإصلاحات التي يمكن أن تزيد من إنتاجية العمالة، والتي بدورها يمكن أن تساعد في خفض الاختلالات الخارجية.
ويمكن لإصلاح التجارة بهدف خفض التكاليف بما يتجاوز التعريفات الجمركية أن يساعد على دمج منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في سلاسل القيمة العالمية في وقت يتسم بعدم اليقين.
وتعزز إصلاحات أسواق العمل إنتاجية العمالة في حين توفر في الوقت ذاته شبكة أمان أيضا للعمال الذين فقدوا وظائفهم. ومن شأن النهوض بإصلاحات ذكية في الشركات المملوكة للدولة في صناعات الشبكات، مثل الطاقة والاتصالات في حالة الانطلاقة الكبرى أن يساعد في تحسين كفاءة الشركات بالإضافة إلى رفع إجمالي إنتاجية العمالة.
وقد يكون لإصلاحات المالية العامة تأثيرات مباشرة على موازين المعاملات الجارية، لا سيما في البلدان حيث يزداد الارتباط بين موازين المعاملات الجارية وأرصدة المالية العامة. ويمكن للإصلاحات التي تحقق وفورات في المالية العامة وتحسن الرصيد الأولي للمالية العامة أن تساعد في خفض العجز الخارجي. لذلك في البلدان التي تعاني من عجز في المالية العامة وفي ميزان المعاملات الجارية، ومن الارتباط الكبير بينهما، يمكن للإصلاحات المالية الذكية أن تساعد على كلتا الجبهتين.
فمن بين البلدان التي تعتبر مرشحا جيدا لهذا النهج: الجزائر وتونس. ومع ذلك، ففيما يتعلق بالبلدان الأخرى حيث الارتباط بين العجز المزدوج منخفض، يمكن لإصلاحات المالية العامة الذكية أن تساعد في سد العجز الزائد في ميزان المعاملات الجارية من خلال زيادة إنتاجية العمالة، بالإضافة إلى زيادة المدخرات العامة. ومن بين البلدان المرشحة بقوة لهذا النهج الأردن ولبنان.
ويمكن تقسيم أجندة إصلاحات المالية العامة الذكية هذه إلى عنصرين اثنين. يتعلق أحدهما بجانب الإيرادات في حسابات المالية العامة، والآخر يتعلق بتركيبة المصروفات. وعلى جانب الإيرادات، يمكن لإصلاحات المالية العامة توسيع القاعدة الضريبية من أجل تعزيز الإيرادات. ففي يناير 2019 طبقت البحرين ضريبة القيمة المضافة بسعر موحد بلغ 5 في المائة مع استثناءات محدودة. بالإضافة إصلاحات ضريبية مشابهة في دول مجلس التعاون الخليجي،. مثال آخر هو مصر، التي طبقت في عام 2016 ضريبة القيمة المضافة بنسبة 13 في المائة والتي أدت إلى زيادة 30 في المائة في حصيلة الضرائب الحكومية العامة في العام التالي، حيث ساعدت ضريبة القيمة المضافة الجديدة الإيرادات الحكومية على النمو بوتيرة أسرع من المصروفات وقلصت نسبة عجز المالية العامة إلى إجمالي الناتج المحلي بشكل مطرد في كل عام منذ ذلك الحين. ورغم أن الإصلاحات التي تزيد بشكل أساسي الضرائب على الاستهلاك عن طريق ضريبة القيمة المضافة يمكن أن يكون لها عواقب على التوزيع، فهي فعالة، إذ إن فرض ضرائب على الاستهلاك رغم أنها مؤلمة على الأرجح للأسر الفقيرة لكنها أقل تشويها من الضرائب المفروضة على الاستثمار أو التوظيف. ويمكن أن تؤثر ضرائب الاستثمار والتوظيف على القرارات المتعلقة بجانب الإنتاج من الاقتصاد، بينما يمكن تخفيف العواقب على التوزيع من خلال إصلاح نظام الحماية الاجتماعية.
وعلى جانب المصروفات، يمكن أن يساعد خفض الإنفاق الحكومي في تقليص عجز المالية العامة والعجز في ميزان المعاملات الجارية في البلدان التي يتحرك العجز المزدوج فيها معا في العادة. ويمكن أن تؤدي إصلاحات دعم الطاقة إلى تحقيق وفورات في المالية العامة ومكاسب في الإنتاجية. وبقدر ما يساعد دعم الطاقة بشكل غير متناسب الشركات الكبيرة، وربما الشركات التي تتمتع بعلاقات سياسية، يمكن للإصلاحات أن تساعد في رفع إجمالي إنتاجية العمالة. والسبب هو أن تقديم مثل هذا الدعم للشركات الكبيرة يشوه تكلفة العمالة مقارنة برأس المال، ويثبط الأنشطة الاقتصادية كثيفة العمالة. وبعبارة أخرى، فإن إعانات الدعم تحفز الشركات الكبيرة على تبني تقنيات إنتاج دون المستوى الأمثل مما قد يقلص فرص العمل، فضلا عن الإنتاجية الإجمالية. ولعل الأهم من ذلك هو أن إعانات الدعم التي تستفيد منها الشركات الكبيرة بشكل غير متناسب تجعل من الصعب على الشركات الجديدة أن تدخل صناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، مما يعزز الشركات القائمة التي قد تكون أقل إنتاجية.

فرص عمل للشركات
ويمكن للمنطقة خلق فرص للشركات والعمال من خلال زيادة مشاركتها في الإنتاج العالمي. ومن خلال تفكيك سلاسل الإنتاج المعقدة، مكنت المرحلة الأحدث من العولمة البلدان النامية من المشاركة في سلاسل القيمة التي لا تتوقف على تطوير القدرات الإنتاجية الشاملة عبر قطاعات متعددة. ويمكن لسلاسل القيمة العالمية نشر القيمة المضافة وفرص العمل في جميع أنحاء العالم والمساعدة في تغيير تنظيم الإنتاج مما يتيح للشركات النمو والتعلم وللعمال البحث عن فرص جديدة في مواقع أو قطاعات أخرى. ومن شأن الاندماج في الإنتاج العالمي أن يغير المشهد في كثير من البلدان عن طريق تغيير مزيج وطبيعة شركاتها. وفي حين أن الشركات المحلية قد تستفيد من المكاسب المرتبطة بالتصدير من خلال فرص المبيعات وتأثيرات التعلم، فإن تدفق رأس المال الإضافي وإنشاء الشركات من خلال الاستثمار الأجنبي المباشر يؤثران بشكل مباشر أكثر على البلدان النامية. وبالنسبة للشركات المحلية في البلدان النامية، فإن الوصول إلى الأسواق الأجنبية يحقق فوائد كثيرة.
وأدى تطوير إنترنت الأشياء في مجال الطاقة إلى التطور السريع للشبكات الذكية والعدادات الذكية، وتوفير بنية تحتية ذكية قادرة على مراقبة الاستهلاك بدقة، ودمج مصادر الطاقة المتقطعة، وجمع كمية كبيرة من بيانات استهلاك الطاقة على المستوى المحلي. بالإضافة إلى ذلك، تسمح الشبكات الذكية والبنية التحتية للعدادات الذكية بالحد من الغش في استهلاك الكهرباء، وتحسين دمج مصادر الطاقة المتجددة.





أخبار ذات صلة

تصفح مجلة الغرفة إلكترونيا

تغريدات


الإعلانات