أنت هنا: الرئيسيةثقافة و إعلام«الطرشه خليّه» و«تامر عليّه» مساجلــــــــة مبدعة بروح الأبوة والصداقة

«الطرشه خليّه» و«تامر عليّه» مساجلــــــــة مبدعة بروح الأبوة والصداقة مميز

كتبه  الفجيرة برس نشر في ثقافة و إعلام الثلاثاء, 29 آب/أغسطس 2017 09:44
قيم الموضوع
(0 أصوات)

منذ أن قرأت لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، قصيدته الأولى (حزات المقيل)، وأنا أعيش جواً شاعرياً غير عادي، فلقد رأيت سموه يتمشى بين تلك الورود والأزاهير في جوّ من البهجة والسرور لا أكاد أنسى منظره، وأطربني فعلاً بتلك القصيدة التي استهلها بحبه الأوّل في مجال الرياضة والفروسية، فقال:

 


أنا يطربني من الخيل الصهيل

يوم غيري يطربه نوح الحمام

ورأيت سموه نشر صورة أخرى له وهو مستلق بين تلك الأزاهير، حتى إنني علقت على الصورة بأبيات قلت في مطلعها:

يا سيدي قل للورود ترفقي

فكفي ورود خيالك المتدفق

وها أنا اليوم بالفعل أمام خياله المتدفق، وسموه حتى إنشاء هذه القصيدة الجديدة أو إلى بُعيدها، أعيش ذلك الجو الشاعري الجميل ويحملني الفضول إلى معرفة اسم تلك البقعة الجذابة التي تأثر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، بروعتها ومناظرها الخلابة وجعلني أتأثر بها.

إن رحلة سموه، لا شك أنها كانت رحلة قنص وصيد، لكن الرحلة لم تكن عادية والمناظر الطبيعية أيضاً من حوله لم تكن عادية، بدليل أن الشاعر وصفها بقصيدة ثم أردفها بأخرى، وفي اعتقادي أنه لا يزال يفكر في قصيدة ثالثة، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن سموه كان في غاية الانبساط والاندماج في تلك الرحلة الغنية بالمشوقات والمبهجات للروح والمنعشات للفكر والجسد.

خيال خصب

وإذا كان شاعرنا الكبير يجيد وصف الخيل فإنه يجيد وصف الطبيعة الغناء أيضاً، والوصف غرض من أغراض الشعر عند العرب، ويحتاج إلى خيال خصب وغني بالمفردات الجميلة والمعاني السامية والجليلة.

وسموه ممن يطاوعه يراعه وتجاريه القريحة فيما أراد إلى أبعد الحدود، فالوصف مجال من مجالاته، كما أن الفخر من مجالاته التي برع فيها في كثير من قصائده الفصيحة والنبطية معاً. وفي قصيدة «حزات المقيل» وقصيدته هذه «الطرشة خليه»، يذكرني بابن حزم الأندلسي في قصيدته التي وصف فيها الطبيعة قائلاً:

ولما تروحّنا بأكنـــــــاف روضة

مهدّلة الأفنـــــان في تربها الندي

وربما نلمس مواطن الالتقاء واضحة بين الشيخ محمد بن راشد والفقيه ابن حزم، فابن حزم وإن كان فقيهاً إلا أنه أديب شاعر ومتمكن، والشيخ محمد بن راشد وإن كان حاكماً فإنه أديب شاعر ومتمكن كذلك.

شاعر عفيف اللسان

وهكذا نجد الشيخ محمد بن راشد شاعراً عفيف اللسان، يميل إلى أشعار الحكمة والوصف والتربية والحماسة والفخر، وفي قصائد الابتهال عند الشيخ محمد بن راشد، الكثير من الزهديات والاهتمام بالآخرة باعتبارها هي دار البقاء.

وإذا عدنا إلى قصيدة اليوم، وجدنا الشاعر قد تغنى بأيام القنص الجميلة وأبدى فرحه إلى آخر حدود الفرح، لكن في النهاية وكأن تلك الفرحة لم تكتمل لأن الوجه الآخر للأنس كان غائباً، وهو سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي، وكأنني بالشيخ محمد بن راشد يقول معبراً عن هذه «الطرشه» ويخاطب الشيخ حمدان بالقول:

نحن في أكمل السرور ولكـن

ليـــــس إلا بكم يتم الســــرور

عيب ما نحن فيه يا أهل ودّي

أنكم ُغيّـــب ونحن حضـــــور

نعم... سيدي، أنت لا تستطيع فراق الشيخ حمدان بن محمد ولا يكتمل سرورك إلا بحضوره، ونحن كذلك نريد أن نراكما معاً، فأنتما العينان الباصرتان لنا، من خلالكما ننظر إلى دبي بأبراجها الشامخة، وشلالاتها المتدفقة.

إن دبي دونكما لن تبقى دبي دار الحيّ، فأسأل الله أن يديمكما لدبي ولدولة الإمارات ما دام النّيِّران، وأن يحفظكما من شر حاسد إذا حسد.

شوق ومكانة

ونلاحظ في قصيدة (الطرشه خليه) أن الشيخ محمد بن راشد يفتقد الشيخ حمدان بن محمد، لا لأنه فلذة كبده فقط، بل لأنه الأخ الروح بالروح الذي يلازمه منذ الصغر في رحلاته، وفي أسفاره وفي مجالس أنسه.

بل أكثر من ذلك، فالشيخ حمدان هو الشاعر الفحل والأديب المرهف الحس الذي يفهم لغة والده الشاعرية، لذلك تمنى لو كان فزّاع الشعر والأنس معه في هذه الرحلة التي ما زلت أريد أن أعرف إلى أي بلد كانت، وفي أي بقعة من بقاع الأرض المتوردة.

على كل حال، فلنستمع إلى سموه وهو يقول:

مـرّت ايّــام الـقـنـص حلــوه عـذيّــه

فـي أنـاسـه بـيـن مصبـاح ورواح

بـس فـيـهـا نقص يوم امست خليّـه

مـن أبـو راشــد خـلت م الإنشـراح

لـيــت يـا حـمـدان عـن دارٍ قصـيّـه

كـنـت في الطـرشه وساعات المزاح

وبالمناسبة، للمرة الأولى أسمع الشيخ محمد بن راشد يذكر الشيخ حمدان بكنيته وبالأخص بأبي راشد، وهذا الاسم له معزة كبيرة عند سموه وعند أهل دبي والإمارات والعالم أجمع، فالشيخ راشد بن سعيد هو من أنجب فارس العرب الشيخ محمد بن راشد، ودبي لا تنسى فضل راشد بن سعيد باني نهضة دبي الأولى.

ودبي لن تنسى محمد بن راشد باني نهضة دبي الحديثة، والذي ينطبق عليه قول الشاعر:

حلف الزمان ليأتين بمثلــه

حنثت يمينك يا زمان فكفر

أجل... وأملنا في الشيخ حمدان كبير، ومن حق الشيخ محمد أن يتفرس فيه الراشدية فيناديه بأبي راشد، فحمدان اليوم يعيش في قلوب الشعب كوالده، كيف لا وهو الشاعر والأديب، وهو الفارس والنجيب، والكريم الذي إذا قصده قاصد فإنه لا يخيب.

ونلاحظ بعد ذلك أن الشيخ محمد بن راشد، عندما يكون داخل الدولة يظل مشغولاً بالواجبات والمهام، بل ويشغل من معه فهو لا يشبه سائر الحكام، لذلك فإنه يحاول أن يريح نفسه بين فينة وفينة، ويذهب بعيداً عن جو العمل الرسمي الدؤوب.
ولعل أحب شيء إلى نفسه القنص، لأنه يبعده عن صخب المدن وضجيج الناس، وما أجمل الصحراء والتمشية فيها عند الشيخ محمد بن راشد الذي يستلهم منها قصائده، ويتذكر فيها أصحابه وأحبابه وأقرب الناس إلى قلبه وهو ولي عهده الشيخ حمدان بن محمد.
في مثل هذا الجو وهذه الرحلة، نرى معه أناساً غير الذين كنا نراهم في الحضر، ولكل مقام مقال وخير المقال ما وافق الحال، وفي هذه الطرشات يمازح الشيخ محمد بن راشد أصحابه ويداعبهم على خلاف ما نرى عليه من أثر الجد وهو في ميدان العمل في البلاد، لأنه يؤمن بالحديث النبوي الذي يقول: «روّحوا قلوبكم ساعة بعد ساعة فإن القلوب إذا كلّت عميت».

ومن قال إن المزاح حرام أو إن المزاح غير جائز، أو إن الضحك محرم، أليس عمر بن الخطاب هو الذي يقول: «كنا نضحك في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والإيمان في قلوبنا أكبر من جبل أحد».

وهذا هو الشيخ محمد بن راشد الذي عرفتموه بالجد دائماً والحزم دائماً، يقول:

لـيــت يـا حـمـدان عـن دارٍ قصـيّـه

كـنـت في الطـرشه وساعات المزاح

ثم يصف سموه الجو العام للرحلة:

صـيــدنـا وافـــر بـأيّـــــامٍ هـنــيّـــه

والـمعـاشـى والـمـزاقــر والصـياح

حلو جو الصيد من صبحه لعشيّـه

وعـنــدك ودونــك لـيـالـيـنـا مـــلاح

وبعد ذلك يرجع يقول:

والخــوي دايـم تـرى يْــدوّر خـويّـه

عـادة اهْـل الـمعرفـه واهـل الفـلاح

وفي هذا البيت، لا شك أنه يقصد الشيخ حمدان بن محمد الذي غاب عن الطرشه، فالعلاقة التي بينه وبين حمدان تعدّت علاقة الأب بابنه إلى علاقة الأخ مع أخيه الذي لا يستغني أي منهما عن الآخر، على حد قول الشاعر:

أخاك أخاك إن من لا أخا لـــه

كساع إلى الهيجا بدون سلاح

نعم.. وكثير من الآباء والأبناء إذا فهم كل منهم طبع الآخر، وانسجمت مراميهم مع بعض، ترتفع البنوة والأبوة عمّا بينهما، فيصبح كل منهما بمنزلة الأخ، حيث يراعي كل منهما شعور الآخر بدافع الصداقة.

أكثر من معنى

هذا ولم يخل جو الصيد من بعض صور الغزل والتلاعب بالألفاظ الأدبية العفيفة، إذ إن الصيد يحتمل أكثر من معنى.

كما أن الخمرة داخلة في رموز التصوف لدى المتصوفة، والعيون البابلية ربما أراد بها الشاعر العيون الجميلة الساحرة التي تشبه سحر سحرة بابل بالعراق قديماً. والمهم أن سموه تمنى لو كان الشيخ حمدان بن محمد حاضراً بينهم في تلك الرحلة، ولو كان معهم لتم أنس الشيخ محمد بن راشد به.

«سيدي شاعر»

وما إن سمع الشيخ حمدان بن محمد نداء والده عبر الأثير، حتى استجابت روحه الشاعرية لشاعرية الأب الذي كان سبباً في تكوين شخصية فزاع الشعرية، فأرسل إليه يقول:

مرحبا باللي علي مرسل هديه

والوفا من بيني وبينه متاح

سيدي شاعر ونفسه شاعرية

والمولّع بالقوافي ما استراح

ولد راشد له عزوم زايديّه

برق عزه في غيوم الطيب لاح

نلاحظ في هذه الأبيات الأدب الجم المتبادل بين الشاعرين، والشاعران كلاهما مولع بالشعر إلا أن الابن يعترف بشاعرية والده الفذة، ولا ينسى أن يذكره بفضل والده المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم عليه، وفضل المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان. وخصهما بالذكر لعلم سموه أن الشيخ محمد بن راشد يدين لراشد وزايد بالفضل دائماً وبهما يفتخر، ووصفه بأحب الأوصاف إلى قلبه وهي الراشدية والزايدية.

وبعد أن وصف والده الشاعر بما يستحقه من رفع مقامه بأسلوب أدبي رفيع، انتقل إلى جو الرحلة وأيام القنص التي افتقده فيها والده، باعتباره رمزاً من رموز رحلات القنص والصيد، وعلماً من أعلام الشعر المتبادل بينهما، فقال:

كل ما هد الصقور الصيرميه

كن له معها مخاليب وجناح

القنص لو كانت أيامه شقيه

لذته في النفس تجلب الارتياح

شارك الشاعر حمدان بن محمد والده الشيخ محمد بن راشد في الرغبة الجامحة في رحلة الصيد بالصقور والقنص في أجواء بعيدة عن الرتابة والضجيج والرسميات، واعترف بأن رحلة القنص شاقة لكن لذتها في مشقتها، والنفس تشتاق إلى مثل تلك الهزات بعد أن قضت شهوراً في الراحة والسكون.

وكم تندم الشاعر حمدان بن محمد على أنه لم يكن مرافقاً لوالده في تلك الرحلة، ومعروف عن سموه أنه رهن إشارة والده ولا يغيب عنه للحظة، لكن للظروف أحكام.
ومن شدة تأثره يكرر أسفه ويطلب من والده العفو والسماح.. وإلا من لا يريد مرافقة والد كوالده.
ثم يخاطب الشاعر والده باللفتة الغزلية الجميلة التي ختم بها قصيدته، فيقول:

والغزال اللي لعينه جاذبيه

نظرته فيها من السحر المباح

عادتك صيده بليا بندقيه

لو فـ عينه مثلما ضرب الرماح

وقد برع الشيخ حمدان بن محمد في مجاراة والده في الختام وفي الوصف، حيث إن كلاً منهما استخدم أدق التعابير، وعبّر عن مخزون شعري كبير لديه، ولكن ما أشبه ما قال الشيخ حمدان بن محمد في الختام، بقول يزيد بن معاوية:

أشارت بطرف العين خيفة أهلها

إشارة مذعور ولم تتكلم

فأيقنت أن الطرف قد قال مرحباً

وأهلاً وسهلاً بالحبيب المتيم

فوالله لولا الله والخوف والرجا

لعانقتها بين الحطيم وزمزم

وإلى أن قال:

خذوا بدمي ذات الوشاح فإنني

رأيت بعيني في أناملها دمي

ولا تقتلوها إن ظفرتم بقتلها

ولكن سلوها كيف حل لها دمي

ولا تحسبوا أني قتلت بصارم

ولكن رمتني من رباها بأسهم

نعم.. تحتمل القصيدتان أكثر مما ذكرت من معان وأخيلة، لكن الوقت لم يتسع، فليسمح لي الشاعران الكبيران، والعذر عند خيار الناس مقبول.

  • قراءة: د. عارف الشيخ-البيان
تم قراءته 9141 مره

رأيك في الموضوع

 

 جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الفجيرة اليومية الالكترونية

و كافة الحقوق محفوظه ولا يجوز طباعة أي جزء من الموقع من دون موافقة خطية ، والآراء الوارده هنا لا تعبر عن رأي االصحيفة، والناشر لايتحمل أي مسؤولية مهما كانت تبعاتها ناشئة أو متصلة بمحتويات هذا الموقع

 

 

 

    المتواجدون الآن

    79 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

    اتصل بنا

    ص.ب: 738 الفجيرة - الإمارات العربية المتحدة

    هاتف: 2230000 9 971+

    ايميل: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

    twitter facebook